2026-05-02

التضليل الإعلامي في زمن الذكاء الاصطناعي: نحو إعادة تعريف وتوصيف البروباغندا والتضليل

في الأول من أيار 2026، وبرعاية رئيس جامعة بدر بأسيوط، أ.د. مصطفى كمال، أقامت منصة الجامعة للتنمية المستدامة ـ بإشراف رئيستها أ.د. سلوى حسن ـ ندوتها الأولى ضمن خطتها العلمية لعام 2026-2027. شاركت في الندوة رئيسة المنظمة الدولية للإعلام والإبداع والتنمية، د. مادلين قصاب، وقدّمت محاضرة بعنوان: التضليل الإعلامي في زمن الذكاء الاصطناعي؛ نحو إعادة تعريف وتوصيف البروباغندا والتضليل.

طرحت د. مادلين مفاهيم جديدة في سياق نقدها للتناول الأكاديمي التقليدي لموضوع التضليل، وفي تحليلها لأثر المتغيرات الرقمية على إنتاج المضمون. بالنسبة لها، تُعدّ التعريفات والتوصيفات السائدة للتضليل الإعلامي في حد ذاتها مضلِّلة، الأمر الذي يستدعي إعادة التفكير في سمات البروباغندا والتضليل، وفهم ماهية العلاقة بينهما.

وفيما يلي النص الكامل لمداخلة د. مادلين قصاب:

 نقد التعريف والتوصيف السائدين

من هذا المنبر، أود طرح فكرة حول تعريف وتوصيف التضليل الإعلامي قد لا تتماشى مع آراء العديد من الباحثين بالمجال الاتصالي، لكن الهدف الأساسي من أي تجمع علمي هو محاولة فتح الآفاق نحو وعي أعمق قادر على تفسير الظواهر والتعامل مع الأحداث بمسؤولية أكبر.

يتعامل المختصون مع البروباغندا كمنظومة واسعة تهدف إلى تشكيل الوعي والمواقف والسلوكيات عبر رسائل موجَّهة، وينظرون للتضليل الإعلامي على أنه أداة من أدواتها، تُستخدم لتغيير إدراك الناس للواقع عبر التلاعب بالمعلومات وتشويهها. أي أن كل تضليل يمكن أن يكون جزءا من بروباغندا، لكن ليس من الضروري أن تعتمد كل بروباغندا على التضليل. لكن لو تعمقنا في تحليل أدوات البروباغندا لوجدنا أن الكثير منها يحتوي على ملمح أو أكثر من ملامح التضليل المعرفي، سواء مارس الدعائي ذلك عن قصد أو غير قصد.

يبرر المدافعون عن البروباغندا الإيجابية معتبرين أنها يمكن أن تعمل بطرق لا تعتمد على الكذب أو التلاعب المباشر، كالتركيز على التحفيز العاطفي، صناعة الرموز والشعارات، خلق سرديات وطنية واجتماعية، التعبئة الجماهيرية، التأثير عبر الفن، الموسيقى، الخطاب والصورة، بالإضافة إلى توجيه الانتباه بدلا من تزوير الحقائق. لكن لو أمعنا التحليل لوجدنا أن كل هذه الطرائق قد تتضمن تضليلا قصديا أو غير قصدي، وذلك لأن أي انتماء ـ مهما كان نوعُه سياسيا، دينيا، ثقافيا، اجتماعيا ـ يحتوي في جوهره على انحياز، ووجود الانحياز مؤشر مهم على إمكانية تغلغل التضليل ـ عن وعي أو غير وعي ـ في العملية الاتصالية التي تربط بين الدعائي ومتلقي البروباغندا. ففي النهاية، تعمل البروباغندا على التحكم بالوعي الجمعي، بناء الهوية، تعزيز الانتماء وتوجيه الخيال السياسي والاجتماعي.

الطرح الأكاديمي مازال يعتبر أن البروباغندا تعمل على مستوى الهندسة النفسية والاجتماعية، أي تشكيل العالم الداخلي للمتلقي، بينما يعمل التضليل على مستوى طرح المعلومة، أي تغيير شكل الواقع من خلال وضعه في أطر إعلامية تلبي حاجة الدعائي وأهدافه. ما يعني أن البروباغندا تغير الكيفية التي نفكر بها، بينما يغير التضليل مضمون اعتقادنا فقط.

ويعتبر الطرح الأكاديمي الحالي أن هدف البروباغندا هو تشكيل الاتجاهات والسلوكيات على المدى الطويل، وصناعة بيئة إدراكية كاملة. بينما يهدف التضليل إلى التأثير على فهمنا لحدث معين أو قضية محددة، غالبا بشكل سريع ومباشر. وأعتقد أن هذا التحجيم لدور التضليل لن يساعدنا في التصدي له. فعندما يغير التضليل أفكارنا ومضمون اعتقاداتنا سيغير حتما الكيفية التي نفكر بها، ويدفعنا لتبني سلوكيات بناء على هذا التغيير. وعليه، التعريف والتوصيف الحاليان للتضليل بحد ذاتهما مضلِّلان.

وعليه أقترح ـ عبر منصتكم ـ وبناء على العوامل والمتغيرات التي يفرضها عصر الذكاء الاصطناعي، أن نتعاون جميعا ونكون سباقين في إعادة تعريف وتوصيف البروباغندا والتضليل، والبحث بشكل أعمق في ماهية العلاقة بينهما، معتمدين على فروع علمية عديدة منها: السيمياء الكلاسيكية والمعرفية، علم النفس، الفلسفة، الإعلام والاتصال، العلوم السياسية والدينية والأنثروبولوجيا، هندسة وأمن المعلومات وغيرها الكثير من أقسام المعرفة والبحث.

ولابد أن نأخذ بعين الاعتبار أن البروباغندا ـ في زمن الذكاء الاصطناعي ـ لم تعد تبنى على مجرد خطاب أو مضمون موجَّه للجمهور، بل أصبحت بنية تقنية - معرفية تتسلل إلى الوعي عبر الخوارزميات، والبيانات الضخمة، والواجهات الرقمية. فالنظام الاتصالي الحديث يوجه الرسائل، ويختار توقيتها، ويحدد جمهورها، ويقيس أثرها لحظة بلحظة، ويغير ويبدل ويعدل بناء على شكل ومضمون هذا الأثر الناتج عن التفاعل اللحظي المستمر. وعليه، أصبحت البروباغندا بنية تشغيلية للوعي، تعمل داخل المنصات الرقمية، وتعيد تشكيل الإدراك، آخذة بعين الاعتبار التخصيص الشخصي، ومعتمدة بقوة على المحتوى التوليدي.

 الدعائيون قبل وفي عصر الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا الاتصال الحديثة

في السابق، كان الدعائي بشكل عام يمثل جهة واحدة، تعمل على نشر البروباغندا سواء كانت بيضاء، رمادية أو سوداء، وسواء كانت متحركة بشكل عمودي من رأس السلطات إلى الشعب، أو بشكل أفقي من أحد أعضاء مجموعة ما بغية الوصول إلى رأس السلطة. أما الآن في عصر الذكاء الاصطناعي، أصبح المشهد الدعائي والتضليلي أكثر تعقيدا بسبب تعدد البنّائين، المصممين، المهندسين، والممثلين للبروباغندا أيا كان نوعها وشكلها ومضمونها.

فمصطلح "دعائي" يشمل الآن: الجهات السياسية والدينية، المؤسسات الاقتصادية، جماعات الضغط، شركات التكنولوجيا، منصات التواصل، خوارزميات تعمل ذاتيا دون توجيه بشري مباشر، وأفراد يمتلكون أدوات توليد المحتوى. كل هذه الأطراف تساهم في آن معا في العملية الدعائية والتضليلية، فالعملية الاتصالية انتقلت من مرسل واحد إلى منظومة كبيرة موزعة بشكل تشابكي، تنتج البروباغندا والتضليل من تفاعل آلاف العناصر وأكثر دون وجود مركز واحد، أو على الأقل دون القدرة على معرفة النقطة المركزية الموجِّهة للدعاية والتضليل.

وألفت الانتباه هنا إلى أن التشابك بين العناصر يجعلهم يبدون وكأنهم يعملون جميعا لصالح جهة معينة، على الرغم من أن تعاونهم هذا قد لا يكون مقصودا وبإعداد مسبق، وإنما نتيجة آلية عمل التكنولوجيا ونتيجة تداخل المصالح حتى لو لم يكن أصحاب المصلحة على اتصال مباشر مع بعضهم البعض.

هذا الأمر يجعلنا نعيد التفكير بسمات وخصائص المضلِّل والمضلَّل. فإذا اعتبرنا أن التضليل الإعلامي عملية اتصالية ـ معرفية تهدف إلى إعادة تشكيل إدراك المتلقي عبر التحكم في تدفق المعلومات ومضمونها، لا من خلال تقديم الأكاذيب فقط بل عبر هندسة شروط الفهم، عندها يصبح الجميع مشاركا في عملية التضليل بطرق عدة أهمها: انعكاس الانتماء الفردي والمعرفة المكتسبة المشروطة بمتغيرات عدة على آلية تصوير الناس للواقع والحقائق والتفاعل معها.

وهنا أطرح مفهوم "الدعائي المُسَخَّر"، وهو الشخص الذي يساعد الجهات المضلِّلة على ترسيخ الضلالة في ذاته من خلال تبنيه لأفكار وقيم ومعتقدات تنسجم مع أهداف المضلِّل، مما يسهل عليه الوصول إلى غايته بقوة وبأسرع وقت ممكن. المضلِّل هنا يسخر التعنت في الانتماء والقناعات لتحقيق أهدافه.

 أساليب وأدوات التضليل الإعلامي والبروباغندا في زمن الذكاء الاصطناعي

في السابق، اعتمد الدعائي على وسائل الإعلام التقليدية، الصحف، الإذاعة، التلفزيون، والملصقات وغيرها من الوسائل القديمة. وكانت خطورة الدعاية مرتبطة ارتباطا وثيقا بقدرة الدعائي على احتكار هذه الوسائل. أما الآن، تتخطى البروباغندا الحدود الزمنية والمكانية التي كانت محكومة بها، لتصبح عملية تشابكية معقدة لا تخضع لسلطة مركزية واحدة، حيث يمكن لأي جهة تمتلك أدوات الذكاء الاصطناعي إنتاج خطاب دعائي مؤثر. وهذا الأمر غير خريطة امتلاك واحتكار المعلومة والوسائل.

تزداد وتتوالد أساليب وأدوات وشدة تأثير التضليل الإعلامي بسبب الذكاء الاصطناعي، بعضها يركز على الشكل والآخر على المضمون، فيما يلي بعضها:

1- الوجه الجديد للإقناع: لم يعد تركيز البروباغندا منصبّا على الإقناع المباشر أو فرض الرأي بشكل علني، بل تحول إلى خلق بيئة معرفية تجعل فكرة معينة تبدو طبيعية. فالواقع الرمزي الموازي يجعل ما يراد له أن يبدو حقيقيا أكثر حضورا وتأثيرا من الحقيقة ذاتها. وتوليد المضامين السريعة المقنعة يغرق الوعي بدلا من محاولة السيطرة عليه بشكل مباشر، وهذه التقنية لا تغير رأي الفرد وحسب، وإنما تعيد تشكيل العالم الداخلي الذي يبنى فيه الرأي.

2- الانتقائية: يمكن اعتبارها من أبسط أدوات التضليل وأكثرها فاعلية، حيث لا يحتاج المضلِّل معها إلى الكذب، يكفي أن يختار أجزاء من الحقيقة ويخفي الأجزاء الأخرى. الدعائي هنا يحدد ما نراه وما لا نراه، ويقدم تفاصيل صحيحة لكنها ناقصة والنقص مضلِّل مهما صغر حجمه. الانتقائية تحول الصراع على المعلومة إلى صراع على الزاوية التي تُرى وتُدرك من خلالها المعلومة، وبالتالي على الكيفية التي يريد الدعائي منا أن نفهم بها الحدث.

3- الإطار: التأطير الإعلامي هو أداة تشكيل المعنى، يعمل على وضع المعلومات في سياقات توجه تفسيرها. فالسياق قادر على تغيير معنى الخبر دون أن يضطر الدعائي إلى تغيير كلمة واحدة فيه. يكفي أن يتحكم في ترتيب المحتوى ويحدد ما يظهر أولا وما يظهر آخرا وما لا يظهر على الإطلاق.
لا يمكن الاستهانة بترتيب العناصر وتأطيرها، فهو العدسة التي يُقدَّم من خلالها الحدث، وتُمنح من خلالها الهويات التعريفية لكل شيء يتضمنه المحتوى. يشمل التأطير أيضا: انتزاع الحدث من سياقه الزماني والمكاني والسياسي والديني والاجتماعي، إبراز مصادر وإضعاف أو تجاهل أخرى، اختيار خبير معين وتغييب آخر، الندرة المصطنعة، وتقديم رأي فردي كرأي عام. والنتائج المترتبة على هذا الأمر خطيرة جدا.

4- العناوين المضلِّلة: يُعتبر العنوان أداة برمجة أولية للوعي، فهو لا يلخص الخبر وحسب وإنما يوجه المتلقي إلى تفسير محدد قبل أن يغوص بالتفاصيل. وبعد كسر احتكار وسائل الاتصال والتغير في بنية ملكية هذه الوسائل، نلاحظ أن بعض الأفراد غير المختصين بالدعاية والإعلام يمتلكون مهارات اتصالية لفظية وغير لفظية قادرة على التأثير بشدة بالرأي العام، وعلى تحريك الشارع انطلاقا من عنوان أو عبارة تكتب أو تلفظ بلهجة عامية مثلا ومفردات بسيطة، تتحول إلى عنوان لمرحلة كاملة من تاريخ بعض الجماعات والشعوب. وعليه، العناوين لا تتوقف على كونها عناصر خبرية وإنما تتحول إلى محرك أساسي في البنى الاجتماعية والثقافية والسياسية والدينية للشعوب.

5- الرموز والشعارات: تكمن أهميتها في قدرتها على اختصار سردية كاملة. فهي ليست أداة جمالية أو أداة تعبئة معرفية وفكرية فقط، وإنما عناصر تختزل معتقدات وأيديولوجيات بطريقة تؤثر في عاطفة الجمهور قبل وعيه. ترتبط خطورتها بقدرتها على الوصول والتجذر في مراكز اللاوعي في عقل الإنسان.
وكما تُستخدم إيجابيا علوم السيمياء الكلاسيكية والمعرفية لتحليل الدلالات اللغوية والمعرفية والسلوكية، تستخدم أيضا من قبل المضلِّل لمضاعفة التأثير على الجمهور المستهدف. ويُعد الذكاء الاصطناعي في هذا السياق سلاحا ذا حدين، إذ يمكنه خلق عالم غني بالرموز والشعارات البنّاءة ـ مرتكزا على تحليل سيميائي عميق لخصائص المجتمعات، وبالوقت نفسه يمكنه تسخير هذه المعرفة للهيمنة على توجهات الناس وسلوكياتهم عبر استخدام الشعارات والرموز المثيرة للعاطفة والوعي على حد سواء.

6- التكرار الخوارزمي المنهجي: مهمته تحويل الفكرة إلى بديهية والرسالة إلى حقيقة شعورية، والقضاء على النقد والتشكيك. فالتكرار يخلق ألفة بين المتلقي والمعلومة، ينتج عنها تصديق ويقين يتحكمان بسلوك البشر. والذكاء الاصطناعي يدرس هذا السلوك ويحلله بغية تصميم نماذج توجه فكر ووعي وسلوك مستهلك المعلومة. وعليه، تتشكل دائرة لا متناهية من الفعل ورد الفعل مبنية على التكرار وآثاره الفكرية والسلوكية. في السابق، ارتبط التكرار بنشر معلومة ما مرات عدة في نفس الوسائل الاتصالية. أما الآن، يزداد أثر التكرار لأنه لا يقتصر على إعادة نشر المعلومة فقط، بل عرضها نفسها في عدد كبير من قنوات التواصل، وتعدد المصادر هذا يظهر المعلومة كحقيقة لا مجال للشك فيها؛ خاصة لدى هؤلاء الذين لا يجيدون ممارسة التحليل النقدي للمضمون.

7- هندسة الانتباه: تعمل على توجيه البوصلة الداخلية للمتلقي نحو مسار دون آخر، وتسمح بمرور المضمون المرغوب فيه وتحجب كل ما يمكنه إيقاظ السؤال والنقد. لا يمكن للمضلِّل التحكم بالرأي إلا إذا تحكم بالانتباه، وهذا يتطلب معرفة عميقة بالميول السياسية، الدينية، الثقافية والاجتماعية للجهات المستهدَفة. الذكاء الاصطناعي سهل عمل المضلِّل ووفر عليه الوقت والجهد في دراسة كل هذه الميول والمتغيرات المتحكمة بها.

8- الذكاء الاصطناعي التوليدي: أدى إلى انتشار مضامين تضليلية يصعب على غير المختصين معرفة زيفها، وازدادت بسببه نسبة الجرائم الالكترونية، فبمقدور أي شخص يملك التقنية إنتاج محتويات تظهر أشخاصا يقولون ويفعلون أشياء لم يقولوها أو يفعلوها بالواقع. في السابق، كان الدعائي يتلاعب ببعض تفاصيل الأصل بغية تضليل الجمهور المستهدف، أما الآن، أصبح الأصل نفسه هشا؛ إذ يمكن خلق مضامين عن أمور لا وجود لها لكنها مقنعة إلى حد كبير.
تقنيات الذكاء الاصطناعي كالـ Deepfake، عمقت شكل ومضمون وتأثير التضليل البصري والنصي. وفي هذا السياق، أطرح مفهوم "الإبداع البشرـ تقني في التضليل". والإبداع هنا مؤشر مهم على خطورة اللامحدودية في إنتاج العبث والتشويش وبالتالي التضليل. وكلما زادت قوة وسرعة وآنية العناصر البصرية والنصية كلما زاد التلاعب بالوعي، خاصة لدى المفتقر لمهارات التحليل النقدي.
التضليل الخوارزمي نقل تأثير البروباغندا إلى مستويات أخطر بكثير؛ لأنه يعمل على أساس الاستهداف الدقيق الناتج عن تحليل بيانات ضخمة، وهذا يمكِّن المضلِّل من توجيه رسائله إلى جمهور محدد، مما يزيد فعالية تأثيرها في وعي المتلقي.

9- التحليل النفسي السلوكي: ينطلق الدعائي من مبدأ أن الانفعال يسبق العقل، ومن يسيطر على الانفعال يسيطر على الكيفية التي تفسَر وتحلَّل بها الأحداث، وبالتالي يضمن السيطرة على ردات الفعل حيالها.
الذكاء الاصطناعي سهل على المضلِّل عملية التنبؤ والتلاعب العاطفي، فتقنياته تحول بيانات المستخدم إلى نماذج نفسية تستخدم لتوجيهه وإدارة وعيه. لم تعد البروباغندا مسرحا جماهيريا، فخوارزميات الذكاء الاصطناعي حولت التضليل والبروباغندا إلى هندسة فردية من خلال تحليل ميول المستخدم، علاقاته، اهتماماته، معتقداته، انفعالاته وسلوكه العاطفي، نقاط ضعفه وغير ذلك من البيانات، واستخلاص نموذج فردي مؤثر بعمق في اللاوعي. لذا تُعتبر خوارزميات التوصية سلاحا خطيرا لأنها تستهدف جماهير محددة بدقة، مما يزيد من فعالية التضليل.

10- التخصيص المفرط، الاستهداف الدقيق: هذه الأداة مرتبطة بالتحليل النفسي السلوكي وامتداد لها. في السابق، اعتمد الدعائي على توجيه رسائل واحدة لكل الجمهور المستهدف، أما الآن فكل فرد يتلقى نسخته الخاصة من البروباغندا. بروباغندا صامتة تتغلغل بطرق عدة منها: تغيير ترتيب المحتوى الذي يظهر للمستخدم، اقتراح فيديوهات ومضامين مناسبة لاهتماماته، إخفاء معلومات بشكل كامل، واختيار اللغات واللهجات التي أثبت التحليل النفسي قدرتها على التأثير بالمتلقي. وهكذا أصبح الفرد يعيش داخل "فقاعات معرفية" مصممة على مقاس انتمائه ورغباته ومستويات فكره ووعيه. وأخطر ما في الأمر، أن هذه البروباغندا ذاتية التعلم وتتطور تلقائيا، فكلما زاد استخدام الإنسان للذكاء الاصطناعي كلما زاد حجم البيانات المدخلة فيه، وزادت قوة تأثير تحليل المعطيات والتفاعلات والانفعالات. هذه البروباغندا تتعلم من المستخدم وتعيد تشكيل وعيه بنفس الوقت.

11- الروبوتات الاجتماعية: لا يمكن إنكار فضلها في تعزيز التواصل اللفظي وغير اللفظي، وفي التنمية داخل قطاعات عديدة كالصحة والتعليم، إلا أن الاستخدام المُغرض يجعلها سلاحا خطيرا. فهي تستخدم أجهزة استشعار وكاميرات لمعرفة التفضيلات السلوكية للأفراد، ولمعرفة ما يجري في محيطها والتعامل معه بدقة بناء على معطيات وخوارزميات موجودة فيها مسبقا. كما أنها أصبحت قادرة على التعلم والتكيف ذاتيا دون تدخل بشري مباشر.

12- صناعة الإجماع الوهمي: من خلال التعليقات، الإعجابات وتفاعل الروبوتات التي تحاول إرضاء المتلقي المستهدَف عبر تصميم مضامين تنسجم مع مستواه النفسي والفكري. والمضلِّل يعرف أن الفرد يميل إلى الانضمام والانتماء عندما يشعر أن الجميع أو على الأقل الكثير لديهم نفس التوجه.

13- صناعة عدو مشترك: تُستخدم لتوحيد الجماهير حول هدف محدد. لطالما اعتُمد هذا الأسلوب من قبل الدعائي والمضلِّل، لكن تأثيره تضاعف بشدة بسبب الذكاء الاصطناعي القادر على ربط أصحاب الاعتقادات والميول المشتركة؛ وتوصيلهم ببعضهم بشكل مباشر علني أو ضمني خفي. وأدى تَوفر وسائل الاتصال الجماعي لدى معظم الناس إلى مساهمة الأفراد أنفسهم في خلق عدو مشترك، يدعمهم في ذلك الذكاء الاصطناعي ويستفيد من دعمهم له المتمثل بتزويده ببيانات ضخمة بشكل لحظي مستمر. يستغل هذا الأمر ـ بشكل أساسي ـ حكام الاقتصاد العالمي والسياسات الدولية.

14- الإغراق المعلوماتي: هدفه الأساسي الإنهاك لا الإقناع. فإغراق الجمهور بكم هائل من المعلومات المتداخلة والمتناقضة يؤدي إلى الارتباك المعرفي النابع عن إضعاف القدرة على التركيز والتمييز. فالمضلِّل الخبير يعرف أن الدماغ عندما يتعب يقبل بأي سرد ومضمون يقدم له.

15- استغلال الرموز الوطنية والدينية: يستفيد الدعائي من انتماءات الناس الدينية والسياسية لخلق مشاعر محددة تؤثر على تفكيرهم وتفسيرهم للأحداث من حولهم. وتقنيات الذكاء الاصطناعي تساعد في جعل الناس أنفسهم مساهمين في تحقيق الدعائي لأهدافه. فالأفراد يبرزون رموزهم الوطنية والدينية، ويخلقون أدوات التعبير عنها بالذكاء الاصطناعي، مما يسهل على المضلِّل استخدام هذه الرموز لتعبئتهم وتوجيهم حيث يريد. يستفيد الدعائي من إجماع الناس حتى لو كان وهميا، ويستفيد أيضا من كراهيتهم أو معاداتهم لهدف معين. فكما تجمع الناسَ محبة رمز ما، تجمعهم أيضا كراهية هذا الرمز.

16- الحجب والحظر والإخفاء والتهكير: لا يمكن اعتبارها أداة تضليل فقط وإنما وسائل حرب مستخدمة من السلطات والأفراد على حد سواء. بسبب التقنيات الحديثة، يستطيع بعض العابثين المشاغبين إسكات أصوات تستطيع النهوض بالمستوى الفكري للمجتمعات. يكفي أن تتكرر البلاغات حول حساب معين حتى يتم حظره أو حجبه أو إخفاؤه. لم يعد من الضروري للدعائي أو المضلِّل أن يسجن معارضيه، فإخماد وإسكات أصواتهم وتشويه صورتهم أصبح متاحا بطرق عدة.

17- الذباب الالكتروني: تمول وتسخر بعض الجهات السياسية والأمنية والدينية وغيرها شبكات تضم عددا كبيرا من الحسابات الوهمية أو المدارة بشكل آلي على وسائل التواصل الاجتماعي. مهمتها الأساسية التلاعب بالرأي العام من خلال نشر أخبار كاذبة، وتضخيم هاشتاجات لدعم سياسات أو محاربة أخرى. الأسلوب الأساسي لهذه الشبكات هو الهجوم المكثف على الخصم، تشويه صورته واغتياله معنويا بدلا من الحوار معه، وإيجاد قواسم مشتركة قادرة على تحقيق الأمان والسلم المعرفي والسلوكي. ويمكن اعتبار الذباب الالكتروني الوجه القبيح المستتر للمضلِّل الذي يقدم نفسه كوجه متحضر ويستخدم وجهه الآخر سرا لسحق الخصم.

 بعض أدوات مقاومة التضليل الإعلامي

1- مقاومة التضليل تتطلب معرفة أهدافه وأدواته. مثلا، الهدف الذي يتمحور حول التحكم بالعقول يدفعنا إلى دراسة أدوات وآليات هذا التحكم وبالتالي التصدي لها.
2- تطوير مهارات التحليل النقدي للمضمون بالتزامن مع تطوير المهارات التقنية في مجال الاتصال.
3- التعاون بين مختلف القطاعات الأكاديمية للوصول إلى تحليل دقيق لآلية عمل البروباغندا والتضليل، فالمقاومة تحتاج إلى تشخيص معرفي دقيق.
4- التعاون بين القطاع الأكاديمي والإعلام التثقيفي ـ التنموي ـ التوعوي حول البروباغندا والتضليل.
5- الذكاء الاصطناعي المضاد وتطوير أدوات لكشف البروباغندا بنفس سرعة إنتاجها.
6- إعادة بناء الفضاء العام عبر خلق منصات وساحات للنقاش الواعي المشترك وللتفكير النقدي الجماعي.
7- سن تشريعات ـ على المستوى المحلي والدولي ـ توازن بين مقاومة التضليل والجرائم الالكترونية وبين تعزيز الشفافية وحماية حق الإنسان في التعبير البناء لا الهدام.

الخاتمة
لم يعد التضليل ظاهرة بسيطة الأبعاد بل بنية معرفية معقدة ومتغلغلة في الوعي الجمعي. ولا يمكن مقاومته بدون تشخيص مفاهيمي وتفصيل لسماته وأهدافه وأساليبه وأدواته. من هنا تنبع الحاجة إلى إعادة تعريف المفاهيم والخصائص بما يتناسب مع التحولات التقنية والمعرفية. وهذا يتطلب تعاون مختلف التخصصات العلمية والأدبية والفلسفية بغية إعادة بناء فهمنا للاتصال والوعي في العصر الرقمي.





© كل ما يتعلق بحق الملكية الفكرية و الأدبية يقع على عاتق كاتب المادة المنشورة فقط