2023-05-27
د. هناء عبد الكريم
تعتبر عدن منطقة استراتيجية مهمة، جعلتها معرضة للغزو الأجنبي منذ عام 1839م، نظراً لموقعها الجغرافي الاستراتيجي المهم، الذي يشرف على مضيق باب المندب الذي يعتبر البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، وطريقاً رئيساً للتجارة ما بين آسيا وإفريقيا وأوروبا.
لهذا حاولت في هذا الكتاب الموسوم (الجاليات في عدن 1839-1967م) أن أتناول فترة مهمة من تاريخ اليمن الحديث والمعاصر.
1-أهمية الموضوع:
وقع اختياري على هذا الموضوع لأهميته وتعد أول دراسة علمية أكاديمية شاملة تناقش أوضاع الجاليات في عدن أثناء الاحتلال البريطاني لها.
الجدير بالإشارة في هذا الصدد أنً مستعمرة عدن امتازت بالتعداد السكاني، وقد كان هدف بريطانيا من تعداد الجنسيات داخل عدن ضمان قمع أي مقاومة تعكر صفو السلام الاجتماعي، لأن المجتمع العدني كان خليطاً من مختلف الأقوام: هنود، صوماليين، و أوروبيين، وفرس، ويهود وعرب، لذا نجدها قد فتحت أراضي عدن للموجات الاستيطانية الأجنبية التي تدفقت عليها من دول الكومنولث البريطاني لأغراض مختلفة عسكرية، تجارية، وإدارية، وأصبحت عدن تحت تأثير هذه الهجرة مدينة مفتوحة على كل الاتجاهات الدينية والقومية.
2-مصاعب الموضوع:
لقد سعيت قدر المستطاع لتقديم موضوع متكامل لهذه الحقبة التاريخية من تاريخ عدن، ولقد واجهت صعوبات عديدة لا سيما المتعلقة بسنوات تأسيس بعض الأندية والجمعيات التابعة للجاليات ويرجع ذلك إلى المعلومات الغير متوفرة عن هذه الأندية والجمعيات في مراكز الدراسات والأبحاث والمكتبات اليمنية.
3-الدراسات السابقة:
في اعتقادي هذا الموضوع لم يدرس من قبل كدراسة أكاديمية شاملة، ربما لحساسية هذا الموضوع لذا أرجو أن يشكل هذا الجهد المتواضع إضافة حلقة من سلسلة الأبحاث والدراسات التي تناولت تاريخ اليمن الحديث والمعاصر وأن يتمكن هذا البحث من ملء جزء من الفراغ في المكتبة اليمنية والعربية، ولا سيما فيما يتعلق بالجوانب المختلفة التي اتبعتها بريطانيا إزاء هؤلاء الأجانب، وما يتعلق بحياة هذه الأقليات وأنديتهم ومدارسهم ومشاركتهم في مختلف جوانب الحياة داخل عدن.
على الصعيد نفسه امتازت مقابلاتي مع بعض أفراد الجاليات الموجودين حالياً في عدن بمعلومات مهمة لم تتطرق إليها الكتابات السابقة، لهذا نأمل أن تغطي تلك المعلومات بعض جوانب النقص.
4-منهج البحث:
ويكتسب هذا الموضوع خاصية الاعتماد على منهج البحث التاريخي والتحليلي، ومن خلال الاستناد إلى الوثائق والمصادر كمنبع رئيسي لهذا الموضوع وهذه الوثائق والمراجع محفوظة في مركز البحوث والدراسات اليمنية -عدن ومركز البحوث والدراسات اليمنية (جامعة عدن)، ومركز حنبلة للتوثيق.
بالإضافة إلى المقابلات الشخصية بمن عاصروا هذه الحقبة التاريخية موضوع البحث وإلى المراجع الأجنبية المعاصرة لعدد من الانجليز ممن شغلوا مناصب في الإدارة البريطانية، فضلاً عن المراجع والدوريات اليمنية التي شكلت مصدراً معاصراً لأحداث فترة البحث والتي كانت نبض الشارع العدني المعبر عن آلامهم لوجود أجانب يزحمونهم في حياتهم ورزقهم ووظائفهم وآمالهم بالحكم الذاتي والحرية. كما تمت الاستفادة من الأبحاث والدراسات العلمية التي تناولت جانباً من تاريخ عدن ولها ارتباط بموضوع الدراسة.
5-تنظيم الكتاب:
يتألف هذا البحث من ثلاثة أبواب، يحتوي كل باب على فصلين، ناقشنا في الباب الأول: التركيبة السكانية لمدينة عدن، احتوى الفصل الأول منه على مدخل تمهيدي يوضح الأهمية الاستراتيجية لعدن كعامل جذب للجاليات الأجنبية، ليس هذا فحسب، بل ضم هذا الفصل موضوعات أخرى مثل التغيير الديمغرافي، والإحصاءات الرسمية للسكان في عدن، وتزايد أبناء الجاليات الأجنبية بصورة كبيرة بعد أن جاءوا إلى عدن معدمين فقراء فأثروا ثراءً فاحشاً، وارتقوا إلى أعلى المناصب، وجاد عليهم الاستعمار البريطاني بالجاه والمال والرتب والامتيازات واعتبرهم أصحاب حق شرعي في البلاد.
وفي الفصل الثاني ناقشنا تأثير التعدد السكاني على النشاط الاقتصادي لمدينة عدن، والنشاطات الاقتصادية التي كانت تقوم بها الجاليات وتأثير هذا التعدد على الحياه الاجتماعية والثقافية في عدن، وبعض الكلمات المشتركة بين العدنيين وبعض الجاليات، وتأثيره على الفن والأدب والتعليم في عدن وما ترتب عليه من وعي اجتماعي وسياسي أدى إلى مطالبة أبناء عدن بالحكم الذاتي، وتمسكهم بعدنيتهم.
واحتوى الباب الثاني على فصلين، تطرق الفصل الأول للحياة الثقافية للجاليات، أي أنديتهم وجمعياتهم الثقافية والرياضية والاجتماعية.
بينما تطرق الفصل الثاني للحياة الاجتماعية للجاليات في عدن وطريقة حياتهم من زواج وغذاء، وسكن وعلاقتهم بأبناء عدن وما سادها من ودية مع بعض الجاليات كالهنود المسلمين والصومال من جهة، ومضطربة من جهة أخرى مع اليهود داخل مستعمرة عدن.
وضم الباب الثالث فصلين، احتوى الفصل الأول مشاركة الجاليات في الحياة السياسية والإدارية لمدينة عدن، أي مشاركتهم بالمجلس التشريعي والبلديات والأحزاب السياسية، بينما تطرق الفصل الثاني لمشاركة الجاليات في القيادة الإدارية لمدينة عدن كمدراء المرافق، البنوك والشركات والمدارس، فقد كان لهم مدارسهم الخاصة وشركاتهم ومصارفهم.