2026-04-14
هاجر زغلول
لم تكن الشّمسُ قد استيقظت من سُباتِها الموسمي عندما شقَّ طريقهُ نحو الجبلِ المكلّلِ بالبياض.
ارتحلَ بعيداً حيثُ الصّمتُ يروي حكايةَ الأبديّة، حيثُ الرّيحُ تبوحُ بصمتٍ بسرِّ الحياةِ الأعظم.
ألقى نظرةً إلى الخلفِ دونَ أن يعاوده الحنين، وحدها شعلةُ الشّبابِ الحارقةِ كانت تلهبُ حواسَّه فيندفع بجنونٍ نحوَ المجهول.
وما هي إلّا لحظات حتّى استبدّ به العياء، فآوى إلى كوخٍ هنالك على مشارفِ الجبل، استلقى في إحدى زواياه وراحَ في سباتٍ عميق.
قبلَ أن يوقظه ارتطامُ يدِه ببقايا عظامٍ عبثت بها الأيام. وبعد حملقةٍ دامت للحظات، فرَّ هارباً قبلَ أن تستوقفه فوضى الأوراقِ المتناثرةِ هنا وهناك.
تنكّرَ للخوفِ والذّهول، وراحَ يضيع بينَ السّطور على مقربةٍ من بقاياها المحتميةِ بحبرٍ وأوراق، فهناكَ رُسمت شظايا الدّموع، وهناكَ، أمنيةٌ مكتومةٌ وحسرةٌ تكادُ تحرقُ الحروف، حبرٌ مشلولٌ يثقلُ كاهلَ البياض.
عانقَ الحروفَ على عجلٍ فإذا بها دموعٌ مرسومةٌ بعبثيّةٍ مراهقةٍ وخزها الخذلانُ فتهاوت على أرضِ اليأسِ الباردة، صوتُ خطواتِها العابرةِ لحظة الهرب، وصوتُها الأجشّ يعاودُ الانبعاثَ من آهةٍ صليبةٍ على الهامش، وصورةٍ تروي قصّةَ جمالٍ لم يُكتب له الخلودُ إلّا لحظةَ الرّحيل، وقلمٌ لم يقاوم الزّمنَ فانتفضَ حبرُه وتحرّر.
وبعدَ لحظةِ ضياعٍ في تفاصيلِ رحلةٍ بائسةٍ سريعةِ الزّوال، قرّرَ إحراقَ بقايا الزّمن علّهُ يُخفي معالمَ الألم، علّهُ يخرسُ صوتَ البراءةِ المرصّعِ بألحانِ الطّفولةِ الحمقاء، علّهُ يُخرسُ صوتَ هاجسِ الحبِّ الّذي يواري بسوادهِ ورديّةَ الأيّام، فيعانق العشقَ المنهمرَ مع قطراتِ النّدى، ويطربُ قلبه لرقصةِ الزّهرةِ إذ داعبَتها الرّياح، للأوراقِ المتساقطة، للحريّةِ ولوعودِ الرّبيعِ الأبدية.
ومضى في دربهِ وأنوارُ الفرحِ تعانقه، وطيفُ الخذلانِ يتلاشى كلّما عانقَ الحياة، كلّما اقتربَ من نقطةِ النّهاية.