2026-05-11

هاجر زغلول

على أنقاض الذكرى

جلسَ على مقربةٍ منَ النّافذة، حاملًا معهُ أعباءَ سنواتِ عمره السّتين.
استوى على كرسيٍّ خشبي داهمهُ الزَّمن، فما نجتْ إلّا بقاياه.
كانَ الوفاءُ يدفعُ بالرّجلِ للاقترابِ من ماضيهِ وإنْ كُسِر.
جلسَ بهدوءٍ يجولُ ببصرهِ في السّماءِ عبرَ الزّجاجِ الّذي يقيهِ القر.
ففي الخارجِ ثارتْ الطّبيعةُ كمن استبدَّ بهِ الغضبُ بعدَ طولِ كُتمان.

نظرَ بشرودٍ نحوَ الضّبابِ المنتشرِ بعبثٍ بينَ الأشجار، فانفلتتْ من عينهِ دمعةٌ أو هكذا ظن.
أحنى رأسهُ في إعياءٍ بعدَ أن طافتْ بهِ ذكرى السّنين، إذ كانَ الحبّ يرقصُ بينَ أرجاءِ بيتهِ بسخاء، إذْ عمّرت الحياةُ بينَ زواياه المتهالكة.
فعبْرَ زجاج النّافذةِ تراءتْ لهُ ابتسامتُها الهادئةُ الخرساء.

كانت هناكَ بين شوارعِ المدينة تمضي بعبثٍ طفولي، إلى أن داهمها الحبّ فأرداها صريعةً لا تكادُ تلامسُ الشّمسُ وجنتيها.
فآثرت الاحتماءَ بالظلّ، إلى أن صادفَها ذاتَ مرة.
كانتْ على مشارفِ الرّحيل، بعد أن اشتدّت حولها الظّلال.
أخذَ بيدها وابتعدا عن دربِ الخطر.

شيءٌ ما كانَ يدعوه للبقاء، لعلّه جمالها الكئيب.
فبقيا معًا.
زفّتهما الحياةُ فاحتفى بهما الرّبيع.
لكنّ ذاكرتَها ظلّت عالقةً في سراديبِ الماضي مخبأةً بينَ ثنايا الّليل.
وكثيرًا ما حاولت الفصلَ بينَ لحظتين.
فراحتْ تنشدُ أغاني الفرح، وتزرعُ الحبَّ بين زوايا الحياة.
شيءٌ ما كانَ يدفعها للحزن، وكأنّ بها إدمانًا ليسَ يزول.
تتنكّرُ لربيعِ ابتسامتهِ وبهجةِ عشقه.
لعلّه وهمٌ أو بقايا حبٍّ لا تزالُ عالقةً في الأعماق.
فآثرت الرّحيل ذاتَ مساء، غربت بعدَ أن أشرقتْ لفصولٍ وفصول.
فارتمت في أحضانِ المجهولِ بعبث.

كانَ جالسًا هناكَ قبلَ أنْ تباغتُه بوداعٍ فجائي.
لكن، أخرسهُ الذّهول.
توارتْ خلفَ العدم، ليبقى وحيدًا يصارعُ ذكريات حضورٍ قريبًا كان.

وكمن ينتشي بالألمِ أكملَ سيره على أنقاضِ الذّكرى.
وها هو ذا يلقي بنفسهِ في الضّبابِ باحثًا عن ملجأٍ في العدم، علّه يخلصه منْ ثقلِ الحضور.
فغادرَ كرسيّه ومضى.
حاملًا صمتَه وخيباتِه لا أكثر.
ولا زالَ السّؤالُ يتربّص بهِ كلّما داهمهُ المساء، ويا لَثقلِ السّؤال!





© كل ما يتعلق بحق الملكية الفكرية و الأدبية يقع على عاتق كاتب المادة المنشورة فقط