2023-06-29
إسماعيل شاهين
التقمص الوجداني هو القدرة على فهم مشاعر الآخرين من خلال الشعور العميق بحزنهم و فرحهم و هو القدرة على مشاركتهم هذه المشاعر من خلال وضع الشخص لنفسه مكان الآخر. يمكن أن يدل التقمص الوجداني على وجود رغبة في الاعتناء بالأشخاص و على غياب للفرق بين الذات و الآخر بدرجات متفاوتة تختلف باختلاف درجة قوة هذا التقمص.
يتجلى التقمص الوجداني بعدة أشكال منها الشفقة، التعاطف و الرأفة، حيث يشعر الشخص بالآخرين عندما يكونون بحاجة ماسة للمساعدة، كما يندفع المرء للمساهمة في حل مشاكلهم و تحسين حالهم. و تعتبر عدوى المشاعر واحدة من أشكال التقمص الوجداني و هي تأثر الآخر بالمشاعر و السلوكيات التي يظهرها الآخرون و أحيانا يكون هذا التأثر بدون معرفة للأسباب كالطفل الذي يسرع في البكاء عند مشاهدته لدموع أمه أو كالشخص الذي يمر بموكب حزن أو فرح و نراه ينخرط مع المجموعات متقمصا مشاعرهم بغض النظر عن مستوى إدراكه لخلفية سلوكهم.
يرتبط التقمص الوجداني بفهم الحالة العاطفية و الفكرية للشخص الآخر فهناك عواطف مرتبطة بالمشاعر الجسدية وهناك عواطف مرتبطة بالمعتقدات والاتجاهات الفكرية و الدينية والسياسية والطموحات الشخصية، لذا فإن فهم هذه التفاصيل يساعد على نجاح تقمص شخصية الآخر ومشاركته وجدانياً. و هذه القدرة تعتبر عملا مجهدا في البعد النفسي حيث يطابق المتقمِص ذاته مع ذات الآخر و يعيش حالاته الشخصية بالإضافة إلى حالات الآخرين أي يصبح كمن لديه أكثر من نفس و أكثر من حياة بآن معا. و يمكن أن يحصل هذا الأمر بشكل فطري دون وعي إلا أنه يمكن أن يتطور و ينمو و يصقل من خلال الملاحظة الدقيقة و التدريب بحيث يصبح التقمص ممارسة ناضجة و مضبوطة و حاملة لأهداف نبيلة و قادرة على المساهمة إيجابيا عوضا عن كونها استنزافا للطاقات فقط.
تختلف درجات التقمص الوجداني العاطفي و المعرفي لدى الأفراد باختلاف مستوياتهم الثقافية و نضجهم النفسي، فكلما تمتع الشخص بوعي أعلى و بصحة نفسية جيدة كلما كان قادرا على ممارسة التقمص الوجداني بشكل إيجابي مثمر و هادف، حيث أن امتلاك الثقافة العميقة و غزارة التجارب كميا و نوعيا تساعد على الإدراك الدقيق لشتى أشكال و حركات و تجليات التواصل اللفظي و غير اللفظي، و هذا الأمر بالإضافة إلى سمو الأخلاق يجنبان المجتمع الآثار السلبية للتقمص الوجداني الذي يؤدي أحيانا إلى ممارسات شاذة و مخالفة للقوانين ومؤذية للناس.
و في النهاية لابد من العمل على تفعيل الدور الإيجابي للتقمص الوجداني الذي يعزز الإيثار في نفس الإنسان و يقوي عنده القدرة على ضبط النفس و الصبر، كما يسهل هذا التقمص حل المشاكل و إنهاء الخلافات و الاختلافات عبر الشعور الدقيق و الوعي العميق بالآخر. و بنفس الوقت يجب على المرء تجنب الإفراط بالتقمص الوجداني حيث أنه يسبب أمراضا نفسية على المستوى الفردي و الجماعي كما أنه يستنزف الطاقات العاطفية و الفكرية من غير جدوى إن لم يمارس بدقة و بإدراك و بتدبر.