2026-04-13
IOMCD
يشهد العالم تحولاً لافتاً في آلية عمل الإعلام والاتصال، فالمشهد التواصلي لم يعد مقتصراً على النماذج الخطية التقليدية المتمثلة بـ المصدرـ الرسالةـ الوسيلةـ المتلقي، بل تحول إلى ساحات تفاعلية دائرية وشبكية، يتبادل فيها كل أطراف الاتصال الدور. هذا الأمر عقد المشهد الإعلامي ودفع الباحثين والقائمين على العملية الاتصالية للتوجه إلى نظريات جديدة قادرة على سبر وتمحيص وتدقيق وتحليل وفهم كل الأبعاد المرتبطة بآليات خلق المعلومة والتأثير بالرأي العام وبالتالي بالسلوكيات.
ومن هنا نشأ مفهوم الإعلام أو الاتصال الدائري. فالتطورات التكنولوجية المتسارعة، لا سيما في قطاع تقنيات التواصل الاجتماعي، فرضت عصراً معلوماتياً جديداً يتميز بالتعددية الوظيفية وبالتفاعل المستمر بين الأطراف. فالمرسل والمتلقي والرسالة خرجوا عن المفاهيم التقليدية ليصبحوا أكثر ديناميكية وشمولية. فمن كان فقط مرسلاً في السابق أصبح مرسلاً ومتلقٍّ بنفس الوقت، والمتلقي لم يعد سلبياً منتظراً للرسالة بل مساهماً في تكوين المحتوى الاتصالي. والرسالة الإعلامية لم تعد محدودة المضمون والتوجه لأن العملية التفاعلية غيرت آلية فهم الرسالة والتعامل معها، فانتقلت البشرية من حالة "التلقين الإعلامي" إلى حالة "التواصل التفاعلي" والتغذية الراجعة الفورية، مما يفرض على الإعلاميين التقليديين تغيير آلية إنتاج المعلومة كماً وكيفاً، شكلاً ومضموناً.
يساهم العصر الرقمي في إعادة توزيع السلطة، فالمؤسسات الكبرى لم تعد محتكراً كلياً للإعلام الذي أصبح ـ بفضل التكنولوجيا الرقمية ـ متاحاً للأفراد والجماعات بطريقة غيرت مفهوم الملكية في مجال الاقتصاد الإعلامي. الأمر الذي أثر على ماهية المضمون الاتصالي الذي تحول من رسالة نهائية إلى معنى جماعي يُبنى في حلقات تفاعلية لانهائية داخل فضاء يتميز بالحوارات المتبادلة، والمحتويات المرنة القابلة للتعديل والتحوير والتطوير بناءا على ردود الفعل الفورية والاستجابة اللحظية.
تعدد القنوات الرقمية وانخراط معظم الشرائح الاجتماعية في امتلاكها يلعبان دورا محوريا في "التكامل السياقي". فالرسالة في العصر الرقمي تُفهم وتُفسر في سياقات ثقافية واجتماعية مختلفة ومتعددة، تترك المجال للمتلقي لممارسة الانتقائية في خلق صور ذهنية فردية أو جمعية حول حدث أو قضية معينة.
يمكن اعتبار الإعلام الدائري في العصر الرقمي أداة مهمة لتعزيز المشاركة المجتمعية في قضايا التنمية المستدامة. فهو الذي يتيح لكل فئات المجتمع لعب دور الشريك في صياغة السياسات من خلال التفاعل الإعلامي وممارسة التحليل النقدي، ويفتح المجال للدمج بين الطاقات الفكرية والفنية والتكنولوجية وخلق ركائز إبداعية تحول الإعلام إلى أداة للتحرر وجسر يصل بين الفكر والواقع، وبين الحلم والممارسة.
رغم الجهود الأكاديمية المبذولة لتطوير نظريات اتصالية تواكب التغيرات والمستجدات التي يفرضها العصر الرقمي، ما زالت الأبحاث والأدبيات العلمية قاصرة ومحدودة وغير قادرة على تقديم فهم متكامل ودقيق عن الاتصال الدائري. كما أن تغير الملكية في الاقتصاد الإعلامي فتح المجال للفوضى والعبثية والتضليل والسطحية المعلوماتية والضبابية الفكرية. والتحدي الأبرز في هذا السياق يكمن في كيفية الحفاظ على نقاء الدائرة بحيث تبقى فضاءً للتنوير لا التضليل، وللتلاقي لا للبعثرة والتشظي.
وعليه، لا يقتصر الإعلام الدائري على كونه نظرية تقنية، فهو تحول فلسفي في فهم العملية الاتصالية التي تعكس الحركة المستمرة، التبادل الطاقي، والتحول الدائم الذي يميز النفس البشرية.