2026-05-08

IOMCD

الأزمات الإنسانية المنسية في عالم متعدد السرعات

يتحرك العالم بسرعات واتجاهات مختلفة، فبينما تتقدم دول اقتصاديا وتكنولوجيا تتراجع أخرى لتصل إلى الحد الذي يصبح فيه تأمين الماء والغذاء والدواء هدفا وحيدا لا شريك له. الأمر الذي يحرم سكان هذه المناطق من أبسط الحقوق الإنسانية التي تميزه عن الكائنات الأخرى. وهنا يطرح السؤال نفسه: إلى أي مدى يعكس التقدم المادي للدول تقدمها الأخلاقي ومسؤوليتها تجاه الشعوب العاجزة عن النهوض ـ لأي سبب كان؟ وما هي "سيكولوجيا الدول" التي تسخِّر مليارات الدولارات في الحروب بينما تعجز عن توجيه الطاقات المالية والفكرية لخدمة الإنسانية في أماكن ما زالت جنينا في رحم التكوين المعرفي؟

الوعي العالمي يفتقر بشكل ملحوظ إلى التقمص الوجداني. فالتقارير الدولية حول المجتمعات الغارقة في مستنقعات النزوح، ضعف التعليم، انحدار المستوى الصحي وغيرها من الأزمات، تمر مرور المملِّين في ذهن المتلقي. ويمكن اعتبار الملل فلترا يحدد شروط الانتباه والإدراك وتبني السلوكيات.

"اقتصاد الانتباه" يتحكم بقوة بالموارد الإدراكية للشعوب والقيادات، ومن لا يسيطر على الانتباه يخرج من دائرة التحكم حتى لو كانت لديه كل الموارد المادية المطلوبة. فتحول الانتباه إلى سلعة حوَّل بعض الأزمات إلى أحداث كبرى، وهمش أخرى تاركا إياها في غياهب العتمة المتغذية على ضعف الوزن السياسي والاقتصادي والإعلامي للدول العاجزة.

لا يمكن التحدث عن تقدم بشري والنظام العالمي يعاني هذا القدر من الهشاشة التنسيقية وضعف التضامن. الأزمات المنسية ليست محلية التأثير، فنتائجها تهدد جودة الضابط الأخلاقي العالمي القادر على الارتقاء بنوعية الحياة. ودور هذا الضابط لا يتجلى بقوة إلا إذا أعطيت الأولوية لجوهر الإنسان قبل السياسة والمصالح، وللكرامة قبل الحدود الجغرافية، وللحياة قبل الحروب والموت.

في هذا السياق، لابد من الحديث عن الدور الإعلامي في تجميد أو تعطيل التقمص الوجداني. فالعرض المستمر غير المدروس للصور والأفكار المعالجة للأزمات يحولها إلى دوّال غير مؤثرة. التأقلم بين المتلقي والمعلومة يجعل الأحداث المأساوية مجرد سرد مزعج. وهنا السؤال: إلى أي مدى يمارس الإعلاميون مهنتهم آخذين بعين الاعتبار العوامل النفسية المحددة لتأثير الرسالة؟ وهل يدمجون بين أخلاقيات المهنة والأخلاقيات المساهمة في غرس التضامن الجماعي؟ وهل يعملون انطلاقا من دراية كافية بسيكولوجيا الجماهير بغية الارتقاء بها؟

الإجابة على هذه الأسئلة ترسم خريطة آلية بناء الوعي في الوقت المعاصر، وبالتالي يمكن المساهمة في تغيير معالم هذه الخريطة عبر تبني استراتيجيات دقيقة تنبع من ميل إنساني إلى السمو المادي والروحي. وضع الأزمات تحت الضوء مهم، لكن الأهم هو آلية عرضها، وهذه مهمة معرفية لا إعلامية فقط. فالعملية الإعلامية لا يجب أن تركز على إعادة سرد قصص الآخرين فقط، لأن الواجب الأساسي يكمن في ترتيب التفاصيل بحيث تنتج توازنا ينعكس إيجابا على المجتمع الإنساني ككل.





© كل ما يتعلق بحق الملكية الفكرية و الأدبية يقع على عاتق كاتب المادة المنشورة فقط