2026-05-15

IOMCD

اقتصاد الانتباه الخفي: من يشتري وعينا؟

اقتصاد الانتباه هو الاقتصاد الذي لا يبيع منتجات، بل يبيع الوعي نفسه. هذا الاقتصاد حول الانتباه من قدرة بشرية محكومة بخصائص ومتغيرات إلى سلعة؛ بل ربما إلى أغلى سلعة في السوق العالمي. تتسارع معه الإشعارات أكثر من الأفكار العميقة ويتحول السؤال من: ماذا نريد أن نعرف؟ إلى من يريد أن نعرف ماذا؟

* الانتباه كعملة جديدة

في الاقتصاد التقليدي، يحصل الإنسان على السلع الملبية لحاجاته مقابل دفع قدر من المال، أما في اقتصاد الانتباه فالثمن أغلى بكثير، حيث يدفع الإنسان وقته وتركيزه ومشاعره وطاقاته الفكرية الأخرى ـ عن وعي أو غير وعي. فالمدة التي يقضيها الفرد مستخدما شاشته تتحول إلى قيم مالية لدى جهات لا يعرفها حتى؛ أي أن الإنسان يدفع طاقاته وجوهر انتباهه لجهات منتفعة مجهولة الهوية بالنسبة له. والمنصات الرقمية لا تتنافس دائما على جودة المحتوى، بل على مدى براعتها في جذب المستهلك وإبقائه أطول وقت ممكن سجينا بين قضبان الإغراء المعرفي والنفسي، لأن كل دقيقة إضافية تعني مزيدا من الأرباح عبر الإعلانات والبيانات.

* تجار الانتباه

يكثر اللاعبون في هذا السوق، وكل طرف يشتري الانتباه لغايات مختلفة. التجار في اقتصاد الانتباه يعملون داخل منظومة كاملة تشمل شركات التكنولوجيا، المعلنين، شركات تحليل البيانات، الأحزاب السياسية والدينية، المؤسسات والكيانات المالية، الجهات الأمنية وغير ذلك. تتراوح أهدافهم بين بيع المنتجات، تشكيل الرأي العام، التحكم بالانتباه وتوجيه السلوك، وجمع البيانات الكثيرة لتكون قاعدة يبنى عليها التنبؤ والتأثير. وعليه، يوما بعد يوم يتحول الانتباه إلى مورد استراتيجي يوازي من حيث القوة أهمية النفط في القرن العشرين.

* تخطيط الوعي عبر التحكم في الانتباه

أهم أهداف اقتصاد الانتباه هو تحويل الإنسان إلى كائن مستثار دائما، منشغل بمتابعة مواد تعرض عليه بناء على حسابات خوارزمية دقيقة لا تجذب العين فقط بل تعيد تشكيل آلية عمل الدماغ ككل. فالخوارزميات مصممة لتعرف مصادر الإثارة الفكرية والعاطفية لكل فرد، ومنابع وأسباب الخوف والغضب وباقي المثيرات والمحفزات والانفعالات، الأمر الذي يمكِّنها من إعادة ترتيب المحتوى بحيث يبقى الفرد أطول مدة ممكنة في بوتقة الاستهلاك.

* اقتصاد الانتباه يسيطر على السلوك

من يتحكم بالانتباه يتحكم بأفكار ومخاوف ورغبات وميول الأفراد المستهدَفين، وهذا التحكم يؤدي إلى التحكم بالسلوكيات النابعة عن كل هذه المتغيرات. وبالتالي، يمكن القول إن اقتصاد الانتباه يمثل أيضا اقتصادا للسلوك. كل البيانات المعروضة تهدف إلى إثارة الاستجابة خاصة عبر التلاعب العاطفي، فهي مصممة لدفع الفرد إلى اتخاذ قرار مرجو مسبقا، وعملية الهندسة والتخطيط هذه تتم بدقة شديدة معتمدة على الإغراء لا على الفرض بالقوة، بحيث يشعر المرء أن أي تفكير أو سلوك ينبع من داخله ولا يفرض من جهة خارجية.

* مقاومة اقتصاد الانتباه

ترتبط هذه المقاومة بالسيادة الشخصية، فهي ليست مسألة تقنية فقط بل معركة حقيقية بين الإنسان وبيئة إعلامية ومعلوماتية مصممة للتحكم المطلق بالوعي. والانسحاب من العالم الرقمي لا يُعتبر حلا على الإطلاق، لأن المقاومة تكمن في فهم آلية التأثير والتلاعب بالعقول، تقوية مهارات التحليل النقدي، وتطوير سياسات إعلامية وتكنولوجية تحمي المستهلك من الوقوع في شرك التضليل المعرفي. وعليه، الانتباه ليس قدرة دماغية وحسب بل أول وأخطر مرحلة من مراحل تكوين الوعي والسلوك البشريين.





© كل ما يتعلق بحق الملكية الفكرية و الأدبية يقع على عاتق كاتب المادة المنشورة فقط