2022-01-28
إعداد د. مادلين قصاب
أحد أبرز أهداف المنظمة الدولية للإعلام و الإبداع و التنمية هو إيصال خبرات و علم المتخصصين الأكاديميين إلى أولئك الذين لا يرتبطون مباشرة بالقطاع الأكاديمي و لديهم الرغبة الشديدة في الحصول على المعرفة التي تمكنهم من تطوير مهاراتهم في قطاعات مختلفة على المستوى الشخصي أو المهني.
يأتي هذا الحوار مع د. طارق شريف يونس في سياق يسود فيه التدفق التكنولوجي على مستوى الشكل و المضمون ما يؤثر بشكل مباشر و غير مباشر على قواعد الإدارة و التخطيط و بالتالي على نتائج هذه العملية سواء على مستوى الأفراد أم المؤسسات.
البروفيسور طارق شريف يونس حاصل على الدكتوراه في إدارة الأعمال وتخصصه الدقيق "الإدارة الاستراتيجية". حصل على لقب الأستاذية منذ عام 1997م وتجاوزت خبرته في العمل الأكاديمي أكثر من 35 عام. درّس الباكالوريوس و الماجستير و أشرف على العديد من رسائل الدكتوراه. كما عمل في جامعات محلية ودولية في العديد من البلدان، فضلا عن تقديمه استشارات في مجال التخطيط الاستراتيجي، وأداء المؤسسات، والجامعات العامة والخاصة. ويعمل كذلك مستشارا في مجالات الحوكمة وجودة البرامج الأكاديمية والاعتمادية وفقا للمعايير الدولية في إطار المؤهلات و المعايير الوطنية في كل بلد. وللبروفيسور طارق العديد من الكتب والبحوث باللغتين العربية والإنكليزية والتي نشرت في دور نشر معتمدة ومجلات دولية وقواعد بيانات بحثية معتمدة.
و عليه، فإن د. طارق يعد مرجعا مهما في مجال الإدارة و التخطيط من حيث خبرته الأكاديمية و العملية. و في هذا الحوار سنتناول بعض النقاط حول الإدارة في زمن التدفق التقني و تأثير ذلك على الأفراد، ولاحقا في حوارات أخرى سنتناول التأثيرات على مستوى المؤسسات.
* كما تعرف دكتور، تعد التقنية امتدادا لحواس الإنسان، و دماغنا ـ كما أثبتت دراسات عديدة ـ يتأثر بمدى استخدامنا و اعتمادنا على التكنولوجيا. و يشهد عصرنا الحالي تضخما كميا و نوعيا في استخدام الإنسان للتقنيات. ما هي الآثار الإيجابية و السلبية لهذا الأمر على الأفراد بما يتعلق بالقدرة على التخطيط، بغض النظر عن المجالات المهنية للأفراد؟
ـ نعم دخلنا عصر الرقمنة والتحول الرقمي في جميع منظوماتنا اليومية. ولا شك في أن التقنيات الحديثة وتحديدا الذكية منها اختصرت الزمن والإجراءات التي كانت بتعقيداتها كابوسا جاثما على الإدارات حينها، فإيجابيات التكنولوجيا فرضت نفسها على الفرد. و يشهد عصرنا سرعة هائلة في تطور هذه التقنيات على سبيل المثال: أجهزة الاتصال الحديثة وتكنولوجيا الروبوتات التي دخلت عوالم عديدة منها العمليات الطبية والحربية والنقل وغيرها كثير.
ولا أعتقد أن هناك سلبيات ممكن ذكرها على سبيل العموم وإنما على سبيل الخصوص وتحديدا تلك المتعلقة بإغراق السوق بالتقنيات الروتينية التي أرهقت ميزانية الفرد والمجتمع. و يمكن اعتبار الإغراء الذي يخلق حاجات مختلفة أيضا أحد سلبيات هذه التقنيات التي لا تسمح سرعة تطورها و لا تمكّن الفرد من تفنيد الجيد من السيء و المفيد من الضار. وعموما، فإن إيجابيات التكنولوجيا تفوق سلبيات وجودها عندما نحسن استخدامها في مجالاتها التي صنعت لأجلها.
أعطيكِ مثالا عن عملية إدماج التكنولوجيا بمحتوى التخطيط: لو أراد أحدنا الذهاب إلى مكان يجهله، فماذا يعني ذلك؟ يعني تحديد المكان الذي ينوي الوصول إليه، و المسافة تحدد من مكانه الحالي إلى المكان المستهدف، و هذا ما يسمى المدى المكاني و الزمني. و يبقى على الفرد في هذه الحالة التفكير بالوسيلة التي يجب توفرها لتحقيق الهدف أو الغاية و هذا يعني التفكير بوسائل تنفيذ المدى الزمني و المكاني. كل ذلك أشبه باستخدام الـ GPS وهي التكنولوجيا المشهورة في العالم و التي تستخدم للتخطيط الدقيق وفقا للبدائل التي يتيحها هذا النظام و هي متاحة كأداة دقيقة لضمان التخطيط المتقن دون هدر للوقت وإضاعة للجهود. و في عصرنا هذا يمكن للفرد تنمية مهاراته التخطيطية بسبب وجود التقنيات التي توفر الوقت و الجهد و بالتالي يمكن أن يضع الفرد طاقاته و قدراته في أمور ابتكارية لا توفرها التقنيات، و هذا الأمر يعطي مجالا واسعا لنمو الإبداع!
وعموما، فإن أركان أي خطة على مستوى الفرد تتشكل في ضوء ثلاثة أسئلة جوهرية تتطلب إجابات من الشخص ذاته بغض النظر عن الظروف و الدول، و هذه الأسئلة هي:
أولا- أين أنا الآن؟ والمقصود ما هو وضعي الحالي؟
ثانيا- أين أريد أن أكون؟ والمقصود، ما هي الغاية التي يرغب الفرد بتحقيقها؟
ثالثا- كيف أصل إلى تلك الغاية ابتداءا من وضعي الحالي؟ والمقصود، ما هي الإمكانات المطلوبة لتنفيذ الخطة لبلوغ الهدف النهائي؟
و متى استطاع الفرد الإجابة بدقة على هذه الأسئلة ستكون أمامه خارطة واضحة تساعده حتما في الوصول إلى مبتغاه. و الإنسان الموهوب في الإدارة يستطيع تسخير كل التقنيات المتاحة له كي يوفر طاقته و جهده و وقته و يضعهم في تفاصيل لا توفرها التكنولوجيا.
* كيف يستطيع الفرد تجنب الآثار السلبية قبل وقوعها و تخطيها إن وقعت؟
ـ تجنب الآثار السلبية لأي نوع من الاستخدامات ومنها استخدام التكنولوجيا يتعلق بأمرين مهمين ومتلازمين وهما:
أولا- ثقافة الفرد في استيعابه للهدف الذي يقف وراء استخدام التكنولوجيا.
ثانيا- استيعاب الفرد لمفهوم استخدام التكنولوجيا كوسيلة وليس غاية بحد ذاتها.
و عليه، من الممكن أن يحصل تغيير جوهري إذا استطاع الفرد أن يجعل سلوكه الاستهلاكي للتكنولوجيا محددا بتلك الأبعاد التي ذكرناها سابقا. ولهذا السبب إن سلوك المستهلك يعتمد على الإرادات المدمجة بتفكير الفرد وأنماطه الشرائية بغض النظر عن الإمكانية المادية. إنه أسلوب حياة يتميز فيه الفرد وفقا لقوة السيطرة على قراره في الشراء.
* دكتور، دعنا نتحدث قليلا عن إدارة الوقت. كما تعلم، في العديد من البلدان التي يسود في النظام و يستطيع الفرد ـ طبعا لو أراد ـ إدارة وقته بشكل فعال على اعتبار أن كل لقاء و كل موعد سواء أكان شخصيا أم مهنيا، فرديا أم مؤسساتيا، يتم وفقا لنظام معين و محدد يسهل حتما عملية إدارة الوقت.
كيف يمكن أن تتم عملية إدارة الوقت بالنسبة للأفراد الذين يعيشون في دول لا يسود فيها نظام يساعدهم على التخطيط أو على التنبؤ و معرفة كم من الوقت يأخذ إنجاز كل مهمة سواء على المستوى الشخصي أم المهني؟ أضيف إلى غياب النظام المحدد وجود ظروف موضوعية قاهرة كنقص الخدمات الأساسية.
- الوقت قيمة نادرة جدا في المفهوم الحضاري، حيث أن الوقت لا يمكن تخزينه ولا تأخيره ولا إعادة استخدامه. وفي هذا الإطار، يعد سوء التخطيط و ضعف المهارة في إدارة الوقت من أهم أسباب التخلف الاقتصادي والاجتماعي ونحوهما. وإدارة الوقت لا ترتبط بدول متقدمة وأخرى نامية وإنما بالبناء التربوي والفكري والثقافي للفرد. حيث نجد احترام الوقت وإدارته مقرونا بوجود نظم تربوية وتعليمية رائدة. و نستطيع أن نرى في الموروث الثقافي والاجتماعي قصص نجاح تشير إلى تميز أفراد بعينهم من حيث احترامهم للوقت والمواعيد والالتزامات المختلفة. ومن هنا فإن مبدأ إدارة الوقت يقوم و يعتمد كليا على الفرد وتحديدا في الظروف القاهرة و في ظل غياب مؤسسات تعمل على تعميق أهمية احترام الوقت. فهناك شخصيات ناجحة جدا ترعرعت في بدايات حياتها في كنف مجتمعات لا تولي أهمية للوقت و مع ذلك تفوقت في إدارة الوقت و حققت نجاحات مبهرة. و وفقا للتجربة، إذا غابت الحوافز الموضوعية لإدارة الوقت و حسن التخطيط فيجب أن ينبع الحافز الأساسي من الذات، فاحترام الوقت وإدارته لن يمنح من جهة خارجية وإنما يصنع ذاتيا من الفرد المتميز.
* بعض الأشخاص يرون أن التخطيط لكل عمل شخصي و مهني و الانضباط الدائم بتنفيذ الخطط يفقد المرء القدرة على الابتكار و الإبداع لأن دماغه ـ من وجهة نظرهم ـ يصبح مبرمجا على نهج محدد. كيف ترى هذا الأمر؟ و ما هي طبيعة العلاقة بين التخطيط و الإبداع من وجهة نظرك؟
- التخطيط مصدر الإبداع والابتكار في الأساس لأن التخطيط عملية فكرية. ومن خبرتي يعد التخطيط أحد محفزات التفكير الابتكاري والتحليل الواقعي فضلا عن أنه مراس للعقل في ابتكار المستقبل. وليست العلة في برمجة العقل الآلي وإنما في الفهم المحدود لعملية التخطيط ومقاصده. و يدعم كلامي هذا أنني لم أجد في مراجعاتي للبحوث والدراسات أي شيء يشير إلى تراجع الإبداع بسبب التخطيط المستمر وإنما أكدت التجارب أن التخطيط يقلل من احتمالات المخاطر.
* من فضلك، زود القارئ ببعض الإرشادات التي تفيده عمليا وخاصة القارئ الذي يعيش ضمن ظروف صعبة جدا و بذات الوقت لديه قدرات و مهارات جيدة و يملك طموحا جامحا.
- إن امتلاك الفرد لقدرات ومهارات وطموح جامح يعد بحد ذاته من مقومات القدرة على التخطيط العقلاني، فهذه المَلَكة إحدى صفات الشخص المبادر ومن ثم رائد الأعمال. وننصح الفرد بعدم انتظار السماء كي تمطر ذهبا، وإنما عليه أن يبحث عن رواد الفكر و الأعمال المتميزين في العالم سواء في البلدان المتقدمة أو البلدان الأقل تقدما فيتعلم من تجاربهم و هذا يسهل عليه الأمر كي يصبح واحدا منهم خاصة إذا توفرت لدى الفرد القدرات الذاتية و المهارات الإبداعية و الطموح الملهم. وعلى الفرد أن يبدأ مساره الواعد بخطوة ويثق بأن طموحه سيتحقق وأن أحلامه المدروسة والمخطط لها تنتظره. وسيكون غدا أجمل و أجمل!
جزيل الشكر لك د. طارق شريف يونس على مساهمتك الإنسانية عبر منحك جزءا من وقتك و خبرتك لكل من يسعى للاستفادة و التطوير.