2022-03-25
إعداد د. مادلين قصاب
يرتبط تقدم الدول بواقع المرأة و تجليات أدوارها في بيئتها الحاضنة، فالمرأة ليست نصف المجتمع و إنما أمه و نواة تكوينه الحضاري. من هذا المنطلق تركز المنظمة الدولية للإعلام و الإبداع و التنمية على دراسة واقع المرأة والتعاون مع كل المؤسسات و الأفراد القادرين على تحليل هذا الواقع و وضع الخطط و البرامج القابلة للتنفيذ بغية النهوض بدور المرأة على المستوى الذاتي و الأسري و المجتمعي.
تعد الدكتورة رجاء الجبوري من الشخصيات المساهمة علميا و عمليا في المجالات التي تُعنى بشؤون المرأة لاسيما في الوطن العربي. فالدكتورة رجاء أستاذة جامعية و باحثة أكاديمية في العلوم الإنسانية و قضايا التنمية المستدامة و السياحة و التراث و ريادة الأعمال. هي أخصائية و مستشارة أيضا في شؤون المرأة. تدير و تشرف على العديد من الملتقيات العلمية، المحلية و الدولية، و هي مدربة دولية في مجال التخطيط الاستراتيجي و التنمية البشرية و المستدامة. تعمل أيضا كخبيرة استشارية لدى الجمعية الكندية للامتثال و الحوكمة و هي نائب رئيس اتحاد الأكاديميين العرب في العراق سابقا، و عضو لجنة السلام للعمل الإنساني و الخاص بحقوق المرأة، و عضو نقابة الأكاديميين العراقية، و عضو المنتدى العربي الإفريقي، و هي مؤسسة و رئيسة فريق لهُن للتنمية و الإغاثة و رئيسة قطاع الريادة و الابتكار في اتحاد المرأة المتخصصة.
* دكتورة كما تعلمين، البعض لا يأخذ على محمل الجد تصريحات العديد من "قادة الرأي" في المجتمعات العربية بسبب إيمانه بعدم جدوى أفكارهم المطروحة و المكررة أحيانا أو بسبب النتائج الضعيفة لمشاريعهم المعتمدة. لذلك أود في هذا الحوار أن نتحدث بكل شفافية و صراحة عن واقع المرأة في الوطن العربي و عن آفاق مستقبلها.
* ما هي التحديات الأبرز التي تواجهها المرأة بشكل عام بغض النظر عن مجال تخصصها المهني؟
تتعدد التحديات التي تواجه المرأة في مجتمعاتنا العربية و التي تشكل عائقا أمام نجاحها ابتداءا من تحدي المرأة للمرأة نفسها إلى التحديات الاجتماعية و الأعراف القبلية التي لا تمت للدين الإسلامي بصلة.
هناك علاقة طردية بين تعدد أدوار المرأة في مسؤولياتها و بين أنواع القهر الذي تتعرض له و الذي يصل حد الاستنزاف، أخص بالذكر المرأة العربية. هذا الأمر يصادر حقوقها الطبيعية، الاجتماعية، السياسية و الاقتصادية و يجعلها تتطلع لإنصاف يحررها من العجز و التبعية الاقتصادية. و نظرا للتحولات الدولية التي فرضت قواعد جديدة على المجتمعات فإن التمكين الاقتصادي أصبح ضرورة ملحة باعتباره رافعة للتنمية المستدامة، و تأجيل التمكين الاقتصادي للنساء أصبح باهظ الثمن ليس فقط من الناحية الاقتصادية بل من الناحيتين الاجتماعية و السياسية حيث أنه يتسبب بشلل في الحركة المجتمعية على مستويات عدة. ولابد من الإشارة إلى دور التمكين الاقتصادي في إرساء الأمن الأسري و بالتالي مساهمته في استقرار المجتمعات.
* ما هي التحديات التي تواجهها المرأة في القطاع الأكاديمي بشكل خاص؟
تقوم المرأة بمهام عديدة، فبالإضافة لكونها ربة منزل هي أيضا إمرأة عاملة تساعد الرجل في الكثير من مجالات الحياة، فهي تعمل على تنشئة الأجيال المتعلمة و المحبة للعلم بغض النظر عن طبيعة مهنتها. و لابد من تسليط الضوء على عمل و براعة المرأة في العديد من المجالات حيث نراها عالمة، فيزيائية، كيميائية، و متفوقة في المجالات التكنولوجية و الفنية و غيرها.
إن ضعف المشاركة الأكاديمية للمرأة يرتبط بأسباب عديدة و معقدة منها العوامل الاجتماعية، التربوية، الثقافية، السياسية و الاقتصادية. و بما أن العراق مثلا مقبل على نهضة إنمائية فإنه يتحتم عليه التخطيط الهادف و الموضوعي في جميع المجالات لبلوغ النهضة المنشودة. و إن هذا يتطلب من القائمين بالتخطيط و التنمية اعتماد البحث العلمي كأسلوب و منهج و إلا كانت النتيجة أقل جدوى.
كما أن رفع كفاءة أداء المرأة في مختلف مواقع العمل و مجالاته ضروري جدا من أجل تأهيلها لشغل مناصب قيادية و مواقع رئيسية في عمليات اتخاذ القرار. و عليه فإن الأمر يتطلب الجمع بين المقدرة و المهارة في رسم الاستراتيجيات و تحديد المعالم و التصورات المستقبلية لما سيكون عليه وضع المرأة في السنوات القادمة و هذا ما يتطلب تشخيص المشكلات و المعوقات التي تواجه المرأة الأكاديمية و خاصة التهميش و الإقصاء الذي يبعدها عن تبوء المواقع القيادية و يؤثر على إيجاد الحلول الجذرية للمشاكل و تقليل تأثيراتها السلبية. إذن لابد من اتخاذ خطوات جادة لتعزيز الثقة بمهارات المرأة الأكاديمية و قدرتها على تبوء المواقع القيادية في المؤسسات الأكاديمية.
* ينتقد البعض عدم جدوى المؤتمرات التي تعقد حول المرأة في الجامعات العربية، كيف تردين على وجهة النظر هذه لا سيما و أنك منخرطة في هذا المجال؟ هل لديك أمثلة تشير إلى نتائج إيجابية عملية؟
تعد المؤتمرات الأكاديمية العلمية واجهة فكرية و ثقافية و لها مستويات محلية و دولية و لا يمكن إنكار تأثيرها في مجالات التنمية كافة لاسيما من خلال التوعية و الإرشاد و إيجاد الحلول المدروسة بناءا على معطيات واقعية مشرحة تشريحا علميا أكاديميا بمقدوره إيجاد وتفنيد و توصيف مواطن القوة و الضعف والسبل الكفيلة بمواجهة و معالجة كل المشكلات بطرق واقعية تتماشى مع الإمكانيات المتوفرة الأمر الذي يستفيد منه أصحاب القرار في المجتمعات العربية.
في نهاية كل مؤتمر محلي أم دولي نقترح حلولا واقعية قابلة للتطبيق و خير مثال على ذلك هو استحداث و تأسيس فريق " لهُنّ" الذي يهدف إلى تناول واقع المرأة و تعزيز الجانب الإيجابي لها من خلال مناهج علمية و برامج قابلة للتنفيذ و التطبيق.
* من خلال متابعتي للعمل الإعلامي و الأكاديمي لاحظت أن الحلول المطروحة في الإعلام العربي أو الأبحاث الأكاديمية العربية حول النهوض بدور المرأة حلولٌ يُتجنب فيها الخوض في المواضيع "الحساسة" خاصة على مستوى السياسة و الدين و العادات علما أن هذه المواضيع من أهم إن لم تكن الأهم على الإطلاق من حيث قدرتها على تشخيص مواضع الخلل التي تعيق أو تشل أحيانا دور المرأة في المجتمع. و كما تعلمين إن لم نشخص المرض لن نقدر على معالجته. كيف ترين هذا الأمر؟ و كيف يمكن أن ننهض بدور المرأة إذا كنا بشكل مستمر ننتظر أن تتهيأ الظروف لنطرح الأمور بجرأة و شفافية لكننا لا نعمل على خلق هذه الظروف؟
نعم، يعاني الإعلام و القطاع الأكاديمي من بعض حالات التضييق على اختيار الموضوعات و ذلك لأسباب عدة. أحيانا تكون الرقابة قانونية و أحيانا أخرى تكون رقابة ذاتية أو اجتماعية حيث يمنع الفرد نفسه من الخوض في بعض القضايا خوفا من التعرض للمشاكل. لذلك لابد أن تعي الدول أهمية فسح المجال للأكاديميين لتناول و معالجة كل القضايا الجوهرية بغية تطوير المجتمعات.
* التأطير الإعلامي للمرأة في المجتمعات العربية يظهرها بشكل أساسي كضحية للظروف و للتسلط الذكوري، و هذا الأمر سيء حقا بسبب قدرته على غرس و تعزيز صور ذهنية تؤثر بدورها على فكرة المرأة عن نفسها و سلوكها على كل المستويات كما يؤثرعلى فكرة و سلوك المجتمعات تجاه المرأة. هل ترين أن المرأة ضحية؟ إذا نعم، كيف و على أي المستويات هي ضحية؟ و كيف يمكنها مواجهة هذا الأمر؟ و إذا لا، أرجو أن تعطي دلائل على أنها ليست ضحية.
أصبح الإعلام المؤثر الأقوى في المجتمعات العربية خاصة في ظل انتشار مواقع التواصل الاجتماعي و ما تحويه من رسائل سواء إيجابية أم سلبية. المرأة بالفعل ضحية للجوع و الفقر و الحرمان و قلة الخدمات و انعدام الأمان و تردي الوضع الصحي و انعدام فرص التعليم خاصة في المناطق الريفية و النائية. بالإضافة إلى أنها ضحية لانعدام الوعي الاجتماعي و الثقافي علما أنها أساس الأسرة فهي الأم و الأخت و الإبنة و الزوجة. إن قوة المرأة و ثقتها بنفسها ترتبطان بقدرة المجتمع و حرصه على رعايتها و حمايتها و الاهتمام بها و هذا الأمر كفيل بجعلها قادرة على مواجهة صعوبات الحياة. فالمرأة بالرغم من كل شيء قادرة على التحدي فكم من أسرة فقدت معيلها و كانت المرأة عماد هذه الأسر من خلال تربيتها للأطفال بمفردها و تحمل كل الأعباء المادية و النفسية كي تحفظ التوازن في أسرتها و هذا الأمر يؤثر حتما على توازن المجتمع ككل. لذا من هذا المنطلق أناشد الجميع أن ينصفوا المرأة و يساندوها كي تأخذ دورها الحقيقي المتكامل في المجتمع!
* أشكرك د. رجاء على هذه المشاركة الإنسانية من خلال تخصيص الوقت الكافي لمشاركتنا جزءا من علمك و خبراتك.
أشكركم و نحن دائما على أتم الاستعداد لتقديم الاستشارة الاجتماعية و العلمية و للتعاون العلمي و الأكاديمي و الإنساني من أجل نشر الإيجابية و الخير في المجتمع.