2022-04-22

إعداد د. مادلين قصاب

د. العبيدي: "الإرهاب قنبلة موقوتة ولدت منذ ولادة المجتمعات الإنسانية وتطورت كما الظواهر الأخرى"

يعد الإرهاب ظاهرة خطيرة و أداة يستخدمها البعض لتحقيق أهداف يعجز عن تحقيقها بالوسائل الشرعية. والمجتمعات البشرية شهدت منذ نشوئها أشكالا مختلفة من التطرف و الإرهاب إلا أن النمو و التزايد الكمي و النوعي للعمليات الإرهابية في دول عديدة بات واضحا و مهددا للمجتمع الدولي و استقرار مؤسساته و هياكله الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية. و عليه، ترتبط أهمية الحديث عن التطرف و الإرهاب و مكافحتهما مع خصوصية هذا الوقت الذي تتشابك فيه المعطيات و المتغيرات المحلية و الدولية على مستويات عديدة منها السياسية و الاقتصادية و العسكرية و الدينية.

يُعتبر الدكتور نبيل العبيدي مرجعا مهما في المجالات التي تعالج قضايا التطرف و الإرهاب. فهو متخصص بالقانون الدولي و خبير أكاديمي في مكافحة التطرف و الإرهاب الدولي. د. العبيدي يعمل كتدريسي في كلية النسور الأهلية و جامعة الكتاب العراقية و جامعة فكتوريا في لندن. و هو خبير لجنة حقوق الإنسان العربية في جامعة الدول العربية، بالإضافة إلى كونه محكما دوليا في المحكمة الدولية الدائمة للتنازع في تونس، و هو رئيس وحدة الدراسات الاستراتيجيةـ مركز البورك للدراسات الاستراتيجية و استشراف المستقبلات في الدانمارك. د. العبيدي أيضا عضو في العديد من المؤسسات و المنظمات و المراكز العلمية و الإنسانية و له العديد من المؤلفات و الأبحاث العلمية المنشورة.

* دكتور نبيل، نلاحظ أن البعض يخلط بين مفهومي التطرف و الإرهاب، هلّا أوضحت الفرق بينهما؟ و كما تعلم أن هذه المصطلحات فضفاضة إلى حد ما، فما هو تطرف بالنسبة لجماعة قد يُعتبر ولاءا بالنسبة لأخرى، فما هو المقياس الدقيق الذي يمكن من خلاله تصنيف فكر ما أو فعل ما على أنه تطرف أو إرهاب؟

أولاً لابد من تعريف التطرف والإرهاب:
كمفردات تختلف عن بعضها في التعريف إلا أنها تؤدي إلا نفس النتيجة والضرر للمجتمع، فالتطرف يعني المغالاة والإفراط والعصبية أي أنه عكس الوسطية والاعتدال في جميع نواحي التفكير تجاه المعتقدات والأفكار. وعلى هذا الأساس فان التطرف هو مجموعة من المعتقدات والأفكار التي تجاوزت المتفق عليه سياسياً واجتماعياً ودينياً داخل الدول ومن هُنا تنشأ ظاهرة الإرهاب لأن التطرف هو مقدمة حتمية للإرهاب.

أما الإرهاب كتعريف اصطلاحي، هو إلحاق الضرر بالبيئة أو بأحد المرافق العامة والناس أو ترويعهم بإيذائهم أو تعريض حياتهم أو حريتهم أو أمنهم الفردي أو الجماعي للخطر. ويهدف الإرهاب إلى إلقاء الرعب بين الناس وزعزعة أمن الدولة، حتى لو كلف ذلك تنفيذ مشروع إجرامي.
فالإرهاب قنبلة موقوتة ولدت منذ ولادة المجتمعات الإنسانية وتطورت كما الظواهر الأخرى، مستفيدة من التقدم العلمي لتفعيل أساليبها ووسائلها. ونتيجة لذلك تعددت أهدافها وتوسعت جغرافيتها لتشمل العالم بأسره دونما تمييز بين الدول المتقدمة أو التي في طور النمو، و بين الدول الفقيرة و الغنية، و بين تلك التي تطبق النظام الديمقراطي أو غيره من الأنظمة، فوقوع العمل الإرهابي في أية دولة أصبح محتملا في أي زمان ومكان، ولم تعد القوة مانعاً لوقوعه. و الإرهاب يحقق أهدافه السياسية و غيرها عبر نشر الرعب و الذعر من خلال استهداف المدنيين و غيرهم للضغط على السلطات القائمة لتغيير مواقفها و الرضوخ لمطالب الإرهابيين. و بالتالي فرض الإرهاب نفسه على المسرح الدولي فشغل صناع القرار و علماء السياسة و القانون و غيرهم.

أما ما يتعلق بأوجه الاختلاف بين التطرف والإرهاب فإننا نلاحظ مما سبق أن التفريق بينهما مسألة شائكة جدا وذلك لوحدة أهدافهما. و يمكن رسم معادلة الاختلاف بينهما بناءا على قاعدة أن التطرف يرتبط بالفكر والإرهاب يرتبط بالفعل. إذ أن التطرف يرتبط بأفكار بعيدة عما هو معتاد ومتعارف عليه سياسياً واجتماعياً ودينياً، دون أن ترتبط تلك المعتقدات والأفكار بسلوكيات مادية عنيفة في مواجهة المجتمع أو الدولة، فالتطرف دائما في دائرة الفكر. أما عندما يتحول الفكر المتطرف إلى أنماط عنيفة من السلوك كالاعتداء على الأرواح أو الحريات أو الممتلكات أو كتشكيل تنظيمات مسلحة تستخدم في مواجهة المجتمع والدولة فهو عندئذ يتحول إلى إرهاب. كما أن التطرف لا يعاقب عليه القانون ولا يعتبر جريمة بينما الإرهاب جريمة يعاقب عليها القانون. و تطرف الفكر لا يعاقب عليه القانون باعتبار أن القانون لا يعاقب على النوايا والأفكار، في حين أن السلوك الإرهابي وإجرامه هو حركة عكس القاعدة القانونية وإثم يتم تجريمه.

* عندما يتعلق الأمر بمكافحة التطرف و الإرهاب نسمع عن العديد من الآليات المطروحة للقيام بذلك، بعضها يبدو نظريا لا مجال لتطبيقه بسبب تداخل و تعقيد العديد من المتغيرات، كيف ترى هذا الأمر؟ و ما هي أبرز آليات مكافحة التطرف و الإرهاب التي يمكن تطبيقها و الحصول على نتائج فعلية؟

يختلف التطرف عن الإرهاب أيضا من خلال طرق معالجته فوسيلة علاج التطرف الفكري هي الفكر والحوار، أما إذا تحول التطرف إلى تصادم فهو بذلك يخرج عن حدود الفكر إلى نطاق الجريمة مما يستلزم تغيير مدخل المعاملة وأسلوبها داخل قانون الدولة.

وأبرز طرق مكافحة التطرف:

1- الخطاب الديني، وذلك عن طريق تصدي المؤسسات الدينية للمفاهيم التي تروج في المجتمع خاصةً بين الشباب، وفي مقدمتها التفسيرات المشوهة لمفهوم الجهاد والردة ووضع المرأة. بالإضافة إلى ضرورة فتح أبواب الاجتهاد والمعرفة الأصيلة بمقاصد الشريعة والاعتراف بالمنظور التاريخي للتشريع وتطويره للتلاؤم مع مقتضيات العصر.

2- الجانب الثقافي، وذلك من خلال مراجعة القوانين واللوائح والممارسات الإدارية على النحو الذي يعزز الانطلاق الحر للفكر والإبداع في المجتمع و الذي يزيل العقبات التي تحول دون حرية الرأي.

3- التوسع في إصدار الكتب والمؤلفات التي تدعم العقلانية والاستنارة، وتنشر الفكر النهضوي.

4- تشجيع الأعمال الفنية الراقية التي تهدف إلى النهوض بثقافة النشء وتنمية المواهب وصقلها في المؤسسات التعليمية والثقافية بشكل منهجي منظم وتيسير الوصول إلى المنتج الثقافي من خلال التوسع في إنشاء المكتبات والمراكز الثقافية والأندية الأدبية، وكذلك مراكز الفنون التعبيرية والتشكيلية والموسيقية، والاستفادة من النشر الإلكتروني.

5- تدشين مواقع التواصل الاجتماعي بين الشباب لمحاصرة التطرف، وثقافة العنف.

6- ضرورة توحيد نظم التعليم، ومنع الازدواجية بين تعليم مدني وآخر ديني أو أجنبي، وتحديث النظم التعليمية لتعزيز قيم التعددية والتعايش الإنساني، مع التأكيد على أهمية “التربية المدنية” في برامج التعليم، خاصة قبل الجامعي. كما أنه من الضروري وضع برامج لتطوير القدرات الإبداعية في التعليم مثل: الموسيقى والتصوير والشعر والمسرح والأدب وغيرها، لبناء جيلٍ مبدع يسهم في تعزيز البناء الثقافي للمجتمع. ضروري أيضا وضع برامج لتطوير المكتبات المدرسية، وتنقية برامج التعليم الديني من الأفكار التي تشجع على التطرف والعنف، أو تستند إلى فهم خاطئ للنصوص الدينية، وذلك لمحاربة انتشار التطرف عن طريق التعليم.

7- حث المؤسسات الإعلامية على الالتزام بالمواثيق المهنية والأخلاقية، والتي تتضمن الابتعاد عن الخطابات المتعصبة.

8- إطلاق مبادرة عربية لمراجعة المعايير المهنية والأخلاقية وسنّ التشريعات التي تجرّم نشر المواد الإعلامية التي تبث الكراهية وتحرِّض على العنف، وتدشين برامج إعلامية مشتركة بين وسائل الإعلام العربي تفند فكر التطرف، وتهتم بقضايا العلم والتنوير.

* ما هو الفرق بين تطرف و إرهاب الأفراد و تطرف و إرهاب الدول؟ و كيف يمكن التعامل مع تطرف و إرهاب الدول إذا كانت تلك الدول من "القوى الكبرى" سياسيا و عسكريا و اقتصاديا؟

من الثابت تاريخيا أن الأنظمة الديكتاتورية استخدمت الرعب كأداة للقمع و التحكم في مصير شعوبها حتى أن البعض رأى أن إرهاب الدولة هو الصورة الرئيسية للإرهاب و لكنهم في ذات الوقت يرفضون عبارة "دولة إرهابية" و يفضلون عبارة "وسيلة حكم إرهابية" لأن الدول بمعزل عن كل اتهام وفوق كل الشبهات.
وإن مصطلح "إرهاب الدولة" يعني أعمال الإرهاب التي تقوم بها الدولة ضد شعبها أو أهداف أجنبية، كما يشير إلى انتشار أعمال العنف من جانب دولة ضد شعبها.

1. إرهاب الدولة الداخلي:
يعرف باستعمال الدولة العسكرية أو السلطوية لوسائل العنف و القمع لإثارة الرعب بين أوساط الشعب من أجل تحقيق أهداف سياسية كالاحتفاظ بالسلطة أو إسكات أصوات المعارضة من خلال تقييد الحريات الأساسية للمواطن و التعسف في استعمال السلطة مثل ما شهدته ألمانيا النازية خلال عهد هتلر. وتجدر الإشارة إلى عدم وجوب الخلط بين الأعمال الإرهابية التي تمارسها الدولة على إقليمها وبين أعمال إبادة الجنس"Le génocide " الذي يمارس ضد الأقليات العرقية أو الدينية.

2. إرهاب الدولة الخارجي:
ويتمثل في صورة قيام دولة بغارات عسكرية ضد مدنيين في دولة أخرى من أجل أهداف استراتيجية ومثال على ذلك العدوان الأمريكي على الجماهيرية الليبية في 14 نيسان 1986، والعدوان الإسرائيلي على لبنان في حزيران 2006. كما يمكن أن يتخذ الإرهاب صورة عمليات دعم و تمويل. وتؤكد بعض الدراسات ضلوع المخابرات الأمريكية والإسرائيلية في عمليات إرهابية خلال الحقبة الشيوعية.

يطلق على إرهاب الأفراد و المجموعات أيضا مصطلح "الإرهاب غير السلطوي" لأنه يوجه ضد الدولة من طرف بعض العناصر المناوئة لها من أجل زعزعة النظام السياسي القائم وإحداث تغيير كامل وشامل في التركيبة السياسية والاجتماعية طبقا لمنظور إيديولوجي معين.

* هناك علاقة بين بعض الدول و "جماعات إرهابية" تصنع محليا أو خارجيا و تُسخَّر لخدمة أغراض هذه الدول التي تدعي أنها تحارب هذه الجماعات و أنها تغزو دولا أخرى بغية القضاء على هذه الجماعات المدعومة أصلا منها. كيف ترى و تصنِّف هذه العلاقة؟ و كيف يمكن الحديث عن آليات مكافحة التطرف و الإرهاب في هكذا سياق معقد سياسيا و عسكريا و اقتصاديا و دينيا؟

إن الاجابة على هذا السؤال تتطلب منا وجود دليل و إثبات جنائي قاطع و هذا أمر صعب. و مع ذلك يمكننا رؤية هذه الروابط فهي حقا موجودة، و مثال على ذلك ما حصل في أفغانستان فعلى الرغم من تصنيف حركة طالبان كجماعة إرهابية نجد أنها عادت واستلمت الحكم وبدعم أمريكي ودولي كبير.

* كيف ترى العلاقة بين الإرهاب و تجارة الأسلحة على المستوى العالمي؟

لم يتم تحديد مصطلح "إرهاب" تحديدا دقيقا على المستوى الدولي، و إنما تم اعتماده حسب مصلحة الدول و خاصة الدول الكبرى. و لهذا فإن تجارة الأسلحة قائمة بالأساس على العامل الاقتصادي و السياسي و العسكري، أي لا تحكمها أي ضوابط أو اتفاقيات أو معاهدات دولية و إنما هي أمر شخصي. و كذلك إن تصنيف الدول لبعض الجماعات كحركات إرهابية لا يعني بالضرورة أن هذه المجموعات إرهابية فعلا. و بناءا على ما تقدم فإن العلاقة بين الإرهاب و تجارة الأسلحة معقدة جدا من الناحية المفاهيمية و التطبيقية.

* أشكرك د. نبيل على مساهمتك الإنسانية عبر منحك للمتلقي جزءا من علمك و خبرتك عن طريق المنظمة الدولية للإعلام و الإبداع و التنمية.





© كل ما يتعلق بحق الملكية الفكرية و الأدبية يقع على عاتق كاتب المادة المنشورة فقط