2022-04-30

إعداد: د. مادلين قصاب

د. شاكر: العقل الجمعي يفتقد للوعي السياسي الحر والمتكامل و يرضى ويتقبل شكل القيادات التي لا يتغير فيها سوى شخصيات لا إرادات

لا يمكن لأي أيديولوجيا أن تحيا و تنمو دون وسائل تواصل متعددة و دون أشكال اتصال متنوعة. و إن الحديث عن التأطير الإعلامي للسياسات في الوطن العربي مهم لاسيما في الوقت الراهن الذي يندمج فيه الشكل القديم للإعلام المتمثل بالصحف و الإذاعة و التلفاز بالشكل الحديث له و المتمثل بالانترنت و وسائل التواصل الاجتماعي و غيرها. فالتأطير الإعلامي يتأثر من ناحية الشكل و المضمون بالكثير من المتغيرات و يؤثر على إدراك المتلقي لما يجري في محيطه المحلي و الدولي، فالتأطير هو إعادة خلق و تقديم الوقائع بعدة طرق و تقنيات لفظية و غير لفظية قد تقدم الحقائق كما هي عليه أو تتسبب في تضليل العقول و لجم الوعي وتوجيه السياسات التي تتحكم هي أيضا بعمليات التأطير الإعلامي.

تعد الدكتورة رنا شاكر من الشخصيات الأكاديمية البارزة و هي مرجع مهم للحديث عن العلاقة بين الإعلام الحديث وحرية التعبير و الممارسات السياسية في الوطن العربي. د. شاكر حاصلة على الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة بغداد و أستاذة في الفكر السياسي الأمريكي المعاصر، كما أنها متخصصة بقضايا الإرهاب الدولي و حقوق الإنسان، و هي تدريسية في جامعة بغداد. د. شاكر ناشطة أيضا في مجال حقوق المرأة و الطفل العراقيين و هي مؤسسة و مديرة نادي كتاب الأطفال للإبداع الفكري المتخصص بتنمية مهارات و قدرات الطفل الفكرية و العلمية و الإبداعية.

* هناك وجهة نظر تؤكد أن الإعلام الحديث، خاصة وسائل التواصل الاجتماعي، يؤثر بشكل كبير على الممارسات السياسية للقادة و يغير المشهد السياسي في الوطن العربي. كيف ترين هذا الأمر د. رنا؟ هل هناك تغيير حقيقي أو جوهري في الممارسات السياسية للقادة بسبب الضغط الناتج عن استخدام الناس لوسائل التواصل الاجتماعي أم أنه تغيير سطحي في الشكل لا المضمون؟

للأسف، على الرغم من جميع التغيرات السياسية التي حدثت في البلدان العربية إلا أن القادة السياسيين مازالوا يتعاملون مع الواقع السياسي معتمدين على آليات التفكير القديمة، لاسيما فيما يتعلق بالقرارات السياسية والاستراتيجية المصيرية للمجتمع الذي يحكمون فيه. ومعنى ذلك أن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على المستوى الجوهري لم يحدث و يتحقق إلا في جوانب محددة، بعضها يتعلق بالجانب الخدمي و تغيير أو استحداث بعض القوانين و التي بمجملها تخدم القائمين على السلطة أكثر من خدمتها لحقوق الشعوب. و نجد أن الإعلام الحديث، لاسيما وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح من أهم أدوات الدعاية السياسية لأولئك القادة، إذ استطاعوا توظيفه لصالحهم و تمرير أجنداتهم السياسية و الإيديولوجية من خلاله.

و إن طريقة تغيير الممارسة السياسية للقادة السياسيين في العالم العربي لا تؤثر على جوهر توجهات وأدوات العمل السياسي للقادة، فالمشكلة الأساسية التي تقف عقبة في وجه التغيير ترتبط بالعقل الفردي للقادة وببقاء هيمنة الفكر السلطوي الأبوي على عملية إدارة الدولة، وترتبط من جهة أخرى بالعقل الجمعي الذي يفتقد للوعي السياسي الحر والمتكامل والذي يرضى ويتقبل شكل تلك القيادات التي لا يتغير فيها سوى شخصيات لا إرادات. وبالنتيجة يمكن القول عندما يرتفع مستوى الوعي السياسي الحر والديمقراطي للعقل الجمعي سيتغير تفكير العقل الفردي الحاكم وستبنى أفكار متجددة وديمقراطية.

* سابقا كان السياسي أو الدعائي يعتمد على وسائل الإعلام القديمة و يحتكرها بكثير من الحالات لاستقطاب الأغلبية أو للتلاعب بمعرفة الجماهير و مشاعرهم بغية تحقيق أهدافه. الآن و بسبب خاصية التفاعلية التي يتيحها الإعلام الحديث أصبحت الإيديولوجيات و الممارسات السياسية تؤطر إعلاميا بشكل مختلف شكلا و مضمونا. كيف ترين تأثير هذا التأطير على السياسات في الوطن العربي؟

سبق وأشرت أن القادة السياسيين استغلوا كل تطور حدث في الإعلام الحديث ووسائل التواصل الرقمي المتقدم لصالحهم. وعلى الرغم من الانفتاح الذي حصل في الفضاء الالكتروني الذي شكل نقلة نوعية في تطوير الإعلام الحديث إلا أن من يقف على رأس هرم السلطة في البلدان العربية استطاع استغلال سلطته لتحجيم الحريات والتعبير عن الرأي، بمعنى أن الرأي والصوت الذي ينتقد تلك السياسات تتم محاربته وتحجيم تأثيره ودوره إما عبر تشريع قوانين تحرمه من حقه في التعبير أو من خلال حجب أدوات إيصال أصوات معارضي السلطات عبر الإعلام الرقمي أو وسائل الإعلام التقليدية. وبالمقابل تضع تلك السلطات جيوشا الكترونية وإعلامية للسيطرة من جديد وبلا منازع على تفكير ومشاعر الجماهير وتغيير تصوراتهم وأفكارهم وتوجيهها مباشرة لصالح الممارسات السياسية والإيدولوجية للسلطة، وبما أن الأخيرة هي من يتحكم بكل مصادر وأدوات القوة في أي بلد والإعلام من ضمنها فالحال لم يتغير كثيرا عما سبق، وربما وحسب رأيي أجده أصبح أكثر دعما لتلك الممارسات المسيطرة على عقول الشعوب من ذي قبل.

* هناك رأي يؤكد أن الإعلام الحديث يساهم بنشر الديمقراطية و الوعي السياسي في البلدان العربية و بالمقابل يرى الرأي المعارض أن الاستخدام الخاطئ لهذا الإعلام يسمح بحرية وهمية خالية من الوعي السياسي و مليئة بالحقد و الكراهية و التحريض. ما رأيك حول العلاقة بين الوعي السياسي و الديمقراطية و الإعلام في الوطن العربي، خاصة من عام 2011 إلى يومنا هذا؟

نعم، ما أشرتِ إليه مهم جدا، المشكلة لدينا في العالم العربي تكمن في أن العقل الفردي و الجمعي لا يمتلكان من الوعي السياسي لفهم الديمقراطية إلا القليل، وربما يظن البعض أنني أظهر فقط الجانب السلبي لواقع التفكير السياسي العربي، لكن هذا واقعنا للأسف، فالعقل الجمعي لا يعرف من الديمقراطية سوى ما يتعلق بالشكل الصوري للفكر والتفكير الديمقراطي، وأقصد هنا مسألة الانتخابات بين الأحزاب وما يتعلق بتغيير التشكيلات الحكومية بعد تلك الانتخابات، أما معرفته بالديمقراطية فكرا وممارسة فهي محدودة جدا، وطالما يخضع العقل الجمعي لقيود التقاليد بشقيها الاجتماعي والسياسي ويجدها جزء من كينونته التي يجب ألا تتغير أو تُمَس فإن الواقع السياسي في تلك البلدان لن يتغير منه شي وستظل الديمقراطية مجرد تشكيل وتفاعل صوري مزيف ليس أكثر.

كما نجد أن العقل الفردي الحاكم يساهم بشتى الوسائل في بقاء العقل الجمعي تحت رحمة هذا التفكير الصوري لأنه في النهاية يصب في صالح بقائه في السلطة واستمرار حكمه. لذا نجد أن وسائل الإعلام العربي المحكومة من السلطات تسهم بشكل كبير، خفي و علني، في ترسيخ تلك الأفكار وتمنع بشتى الطرق تطوير أو تغيير الوعي السياسي للجماهير، مما يجعلها تنظر باستمرار نحو الديمقراطية وممارساتها بشكل ضبابي وغير واضح المعالم، لدرجة أن هذه الجماهير تجد الديمقراطية أحيانا السبب الأساس في تهديد أمن وسلامة مستقبل الشعوب واستقرار بلدهم.

* كما تعرفين د. رنا، يعد القطاع الأكاديمي من أهم القطاعات التي تساهم بتنمية المجتمعات، لكن في حالات عديدة لا يسمح للباحث بنشر أعمال علمية تعالج قضايا سياسية تُعتبر"حساسة"، و أحيانا أخرى تكون الرقابة ذاتية أي لا يسمح الباحث لنفسه بتناول هذا النوع من الموضوعات. ما تعليقك على هذا الأمر؟ و ما هي الحلول من وجهة نظرك؟

في عالمنا العربي وبكل أسف لا يزال البحث العلمي يخضع لرقابة مشددة عبر قوانين الحكومات القائمة، لذلك لا يمتلك الباحث القدرة على تقديم بحث علمي وواقعي يشخص الجوانب السلبية التي تعيق عملية التنمية، و مجمل معوقات التنمية المجتمعية و الاقتصادية مرتبطة بالقرارات و الممارسات السياسية الخاصة بكل سلطة في أي بلد عربي. لذلك نجد أن البحوث الأكاديمية لا تتعدى الجهد النظري ذا الرؤية المحددة في إظهار أصل و واقع المشكلة التي يعالجها الباحث، والسبب ليس قصورا منه وإنما بسبب كم المحددات التي توضع أمامه وتعيق قدرته على الإبداع والابتكار ما يؤثر بشكل جوهري على عملية التنمية في المجتمع.

لذا أجد أن تحجيم حرية الباحث الأكاديمي في أي تخصص هو أحد أهم أشكال مصادرة حرية الرأي والتعبير، كما أنه يشكل أداة لهدم أي عملية فكرية وعلمية و أدبية لتنمية المجتمعات وتغيير نمط تفكيرها وخياراتها لاسيما السياسية منها. لذلك نجد أن القطاع الأكاديمي في البلاد العربية في هذا العصر من أكثر القطاعات التي تراجعت والتي لم يعد بمقدورها أن تقدم أو تساهم بعملية التنمية المستدامة لمجتمعاتها بسبب حجم القيود والمعوقات التي توضع أمام حرية كتابة البحث العلمي والقدرة على نشره بشكل حر ومستقل. وإذا ظل هذا الواقع على ماهو عليه فأنا أرى أن القطاع الأكاديمي سيتحول لمجرد قطاع شكلي يشوبه الكثير من الوهم والضبابية لأنه قابع في حيز المجهود النظري والخاضع لرقابة مشددة من الجهات العليا .

* شكرا جزيلا د. رنا على مساهمتك الإنسانية عبر المنظمة الدولية للإعلام و الإبداع و التنمية و لك منا جميعا كل الود و التقدير.





© كل ما يتعلق بحق الملكية الفكرية و الأدبية يقع على عاتق كاتب المادة المنشورة فقط