2023-01-09

إعداد د. مادلين قصاب

د. هناء عبد الكريم: مازال توثيق التاريخ خاضعا لهيمنة المنتصر رغم التطور المتسارع في مجال التكنولوجيا!

لطالما كان توثيق التاريخ مؤثرا في بناء المعرفة البشرية بغض النظر عن دقة و صحة المعلومات التي تحتويها كافة أصناف المراجع التاريخية. و الحديث عن أهمية توثيق و دراسة التاريخ و دورها في بناء المعرفة البشرية كماً و كيفاً و على مستويات و أبعاد عديدة يزداد قيمةً لاسيما في هذا الوقت الذي تتشابك و تتعقد فيه المتغيرات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و العسكرية، محليا و دوليا. كما أن تكنولوجيا الاتصال المتقدمة غيرت أدوات نقل و جمع و تحليل المعلومات، الأمر الذي يؤثر على كل شكل و جوهر الوعي البشري عن الماضي و الحاضر و المستقبل الإنساني.

معي في هذا الحوار الدكتورة هناء عبد الكريم فضل عبد الله، الحاصلة على الدكتوراه في التاريخ الحديث و المعاصر، و التي تعمل في مركز البحوث و التطوير التربوي في عدن. و للدكتورة هناء مجموعة من المؤلفات و المنشورات العلمية منها كتاب "الجاليات في عدن" و كتاب "الإرساليات التبشيرية في عدن" و كتاب "التنافس الدولي على اليمن".

* كما تعرفين دكتورة هناء، يعد القطاع العلمي و الأكاديمي من أهم السبل لتوثيق ودراسة التاريخ الحديث و المعاصر للمجتمعات و الدول، إلا أن هذا القطاع يخضع لرقابة متعددة الأوجه منها الحكومية و الذاتية (الخاصة بالباحث) و المالية و الاجتماعية و السياسية و الدينية، كيف ترين تأثير هذا الأمر على توثيق و دراسة التاريخ؟ أتحدث هنا عن القطاع العلمي و الأكاديمي في البلدان العربية.

- يواجه الباحث العديد من الصعوبات في توثيق ودراسة التاريخ الحديث والمعاصر وتمثل الصعوبات المالية واحدة من أهم المعوقات، حيث أن توفر الموارد المالية يلعب دورا مهما في أداء الباحث وقدرته على إنجاز البحث بشكل تام. ومن الناحية الاجتماعية تتمثل أبرز المعوقات بشح مصادر المعلومات والمراجع الداعمة للبحث العلمي. و الشي المحزن في توثيق التاريخ الحديث والمعاصر أن المنتصر في المعركة أو الحرب هو من يكتب التاريخ مما يؤدي إلى تزييف الحقائق التاريخية.

* هلا حدثتنا قليلا عن الفرق بين توثيق و دراسة التاريخ القديم و توثيق و دراسة التاريخ المعاصر؟ ما هي أبرز أوجه التشابه و الاختلاف بينهما؟

- لا يوجد فرق في توثيق التاريخ القديم والحديث من حيث جوهر عملية التوثيق و يمكن اعتبار هذا الأمر وجها أساسيا للتشابه. ولكن الاختلاف بينهما يكمن بشكل أساسي في نوعية و كمية المصادر. فالتاريخ الحديث يعتمد على مصادر أولية تتضمن الوثائق و المقابلات مع من عاصروا الحدث، وهناك مصادر ثانوية تتضمن الرجوع إلى الكتب والمذكرات وتسجيلات التلفزيون والإذاعة وكذلك الرجوع للسير الذاتية، بينما يعتمد توثيق التاريخ القديم بشكل رئيسي على دراسة الآثار والحفريات.

* كيف ترين تأثير التطور المتسارع في حقل تكنولوجيا الإعلام و الاتصال على صناعة التاريخ بدايةً و من ثم توثيقه و تحليله؟ ما هو الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام القديمة و الحديثة في مجالات التاريخ؟

- حلت التكنولوجيا مشاكل عديدة حتى أنها اختصرت أياما و شهورا و سنينا و جهود كثيرة فمكنتنا من الانفتاح على ثقافات بعضنا البعض.
اعتمد توثيق التاريخ في القديم على الحفظ الشفهي أو على كتابة الوثيقة بخط اليد إلا أن هذا النوع من الوثائق يتلف بسبب عوامل التعرية، ولكن التكنولوجيا في وقتنا الحاضر لعبت دور مهماً في أرشفة وتوثيق السجلات والوثائق المهمة عبر أجهزة الحاسوب و الوسائل التقنية الأخرى. في القديم كنا نعاني من صعوبة الحصول على المعلومات أما الآن تساعد الشبكة العنكبوتية في الحصول على المصادر والوثائق من مصدرها في الزمان و المكان المناسبين للباحث حيث لاحاجة له للتنقل و بذل الجهد و المال كما كان يفعل في السابق.
و من أهم عيوب الاعتماد على وسائل الاتصال الحديثة في مجال دراسة التاريخ هو استسهال بعض الباحثين لعملية البحث عن المعلومة عبر المواقع الالكترونية حيث يؤثر هذا الأمر في الكثير من الأحيان على دقة التمحيص و التفنيد و التحليل. صحيح أن لكل زمان و مكان رونقه الخاص إلا أنه لازال للكتاب و المكتبات أهمية أعمق ربما يدركها كل باحث جاد!

* د. هناء، هل تعتقدين بوجود اختلافات بين دراسة و تحليل التاريخ وفقا لجنس الدارس أو المحلل؟ أي هل تجدين فرقا بين تحليل الأنثى و تحليل الذكر للتاريخ؟ فكما تعرفين، الحديث عن أي حادثة تاريخية مهما كانت قديمة أم حديثة لابد أن يكون محملا بمشاعر إنسانية تتناسب مع مضمون و شدة الحادثة التي نتحدث عنها، و توخي الموضوعية في توصيف الأحداث و تحليلها لايكون مضمونا في الكثير من الأحيان سواء عن قصد أو غير قصد من الباحث. برأيك، هل تتسبب الاختلافات في البنية النفسية بين الذكر و الأنثى بفوارق و اختلافات بين توثيقهما و تحليلهما للتاريخ؟

- لا أعتقد بوجود فرق بين الذكر و الأنثى من الباحثين فيما يتعلق بكتابة وتحليل التاريخ لكون هذه العمليات أمانة علمية يجب أن تضمن توثيق و تحليل الأحداث بدقة علمية متناهية.

* ما هي أبرز القيم الأساسية في المجتمع اليمني التي كانت مرفوضة سابقا و أصبحت مقبولة و أيضا القيم التي كانت مقبولة سابقا و أصبحت مرفوضة في التاريخ المعاصر؟

- أبرز القيم التي كانت مرفوضة سابقا والآن غدت مقبولة هي المساواة بين الرجل والمرأة والعدالة الاجتماعية والديمقراطية. أما أبرز القيم المقبولة سابقا و المرفوضة حاليا في التاريخ المعاصر هي هيمنة القبيلة في ظل وجود الدولة. كما أن قيم الإخاء والحب والتعايش كانت تعتبر قيما أصيلة لكنها بسبب الحرب باتت شبه منعدمة و مدمرة أو مشوهة.
لذا علينا جميعا أن نسعى إلى إعادة إعمار القيم والأخلاق بالحب والتعايش والسلام والإخاء فهي الطريق إلى البناء والأمل والحياة.

* أشكرك د. هناء على تخصيصك الوقت المناسب لتزويدنا ببعض من علمك و خبرتك في مجال التاريخ المعاصر.





© كل ما يتعلق بحق الملكية الفكرية و الأدبية يقع على عاتق كاتب المادة المنشورة فقط