2023-04-20

إعداد د. مادلين قصاب

التربية العائلية في ظل تشابك متغيرات محلية و دولية

متغيرات كثيرة و متشابكة تتحكم بعلاقة الفرد بالأسرة و المجتمع لاسيما في هذا الوقت الذي تتداخل فيه العوامل الاجتماعية، الاقتصادية، السياسية، العسكرية، البيئية، التكنولوجية و غيرها من العوامل التي تحدث تغيرات سطحية و عميقة في البنية الفكرية و العاطفية للإنسان.
و للحديث عن تأثير بعض هذه العوامل على خصائص الأسرة و التربية العائلية معي الدكتور جهاد الناقولا المتخصص في علم الاجتماع العائلي و رئيس قسم علم الاجتماع في جامعة دمشق في كلية الآداب الثانية بمحافظة السويداء.

* د. جهاد، نسمع بشكل متكرر أن العلائلات سابقا كانت متماسكة أكثر و أن الاحترام كان سائدا بين أفراد تلك العائلات بشكل أعمق، ما هو مفهوم "التماسك العائلي" من وجهة نظر علمية و هل فعلا كان هذا التماسك أقوى مما هو عليه الآن أم أن التماسك كان نابعا من نظام أبوي صارم قد لايمنح هامشا كافيا من الحرية قادرا على إبراز خصوصية كينونة كل فرد و هذا الأمر يتعارض تماما مع الإبداع و الابتكار و التطور؟

- أعتقد أن العلاقات داخل الأسرة بشكل عام كانت متماسكة بروابط قوية لدرجة التضحية و نكران الذات الفردية أمام مصلحة الأسرة و ذلك بفعل منظومة القيم و الثقافة الشعبية السائدة التي تصل إلى مرحلة إجلال و تقديس الأسرة، بغض النظر عن ثقافة المجتمع الأبوي التي دون أدنى شك تترك آثارا سلبية نتيجة ذوبان هوية الفرد في الأسرة في ظل غياب ثقافة الحوار أمام سلطة الوالدين الضابطة و التي كانت تتجلى خطورتها قديما في عدم ترك الحرية للأبناء لاتخاذ قرارات حاسمة كاختيار التخصص الدراسي و قضايا الزواج و السفر و غيرها من التفاصيل الحياتية التي تساهم في تكوين الهوية الفردية على كل الأصعدة.

أما الآن تقوضت سلطة الكثير من الأسر تجاه أبنائها بسبب عوامل كثيرة منها تغير العادات و التقاليد لاسيما تلك التي كانت تحض على تقديس الولاء المطلق للعائلة، كما أن انتشار ثقافات تربوية مختلفة و تأثير وسائل الإعلام في خلق و ترسيخ مفاهيم و عادات و ثقافات مختلفة أدى إلى تحجيم سلطة الكثير من العائلات فلم تعد مصادرة قرارات الأبناء أمرا سهلا كما كان سابقا، فالأبناء يمتلكون الآن رؤى مختلفة عن رؤى آبائهم تدفعهم في الكثير من الحالات إلى عدم الرضوخ للأهل و الخروج عن سلطتهم الأمر الذي أدى إلى ظهور مشكلات كثيرة بين الآباء و الأبناء.

* كيف تؤثر الحروب على طرق و آليات تربية الأسرة للفرد؟ ماهي التحديات و ما هي آلية التغلب عليها؟

- من الطبيعي أن تتأثر تربية الأسر بانتشار الحروب، فالحروب تفرض على العائلات تربية غير متوازنة، تربية قائمة على الخوف و حب الذات و الأنانية، و هذه التربية قائمة أيضا على توقع حدوث الخطر لذا يكون تقييد حركة و حرية الأبناء أمرا ملاحظا و ذلك بسبب الخوف من التعرض للقصف، للخطف، للقنص و غير ذلك من مشاهد النزاع. كما أن هناك عوامل قسرية تغير ملامح التربية العائلية في ظل الحرب حيث لا يستطيع الأهل التدخل في شؤون أولادهم، كأن يجبر الأبناء في المناطق الواقعة تحت سيطرة الجماعات المسلحة على قبول القتال لصالح الخارجين عن القانون و هذا ما يعرف بظاهرة "تجنيد الأطفال". و هناك صعوبات كثيرة تواجه الأسر في عملية التربية لاسيما في الظروف التي يتعذر فيها معرفة آباء الأطفال بعد انتشار ظواهر عديدة كالاغتصاب و الزواج العرفي و زواج "كتاب الشيخ" و غيرها من الظواهر المنتشرة في المجتمع و التي تجعل عملية التربية و التنشئة شبه معدومة لاسيما في ظل ظروف الحرب الاقتصادية و الاجتماعية و الدينية عالية الخطورة و الصعوبة.

و عليه فإن عملية التنشئة تتراجع في ظل الحروب فنرى إما أسرا متساهلة أو أسرا متشددة تفرط في حمايتها للأبناء، كما أن انتشار الأمية و حرمان الأطفال من التعليم و دفعهم نحو سوق العمل، و زواج الإناث المبكر لعدة أسباب اقتصادية و اجتماعية، كل ذلك يؤثر بشكل قوي على شكل و مضمون التربية العائلية.

و حتى تتمكن الأسر من التغلب على هذه المشكلات لابد من تنامي دور منظمات المجتمع المدني عبر مجالات عملها المتنوعة التي تساعد في الحد أو على الأقل التخفيف من آثار التحديات التي تواجهها العائلات. فلا بد من توجيه الجهود الخدمية بشكل دقيق بحيث نرقى بمستوى الأم و الطفل و المراهقين، كما يجب بناء و بلورة و تدعيم الأدوار داخل الأسرة بشكل صحيح و ذلك من خلال مشاريع تستهدف الأسر أو عبر المنظمات التي تعنى بشؤون التربية العائلية و المنظمات و الهيئات التي تعمل مع الأسرة و تساندها لاسيما على المستوى الاقتصادي خاصة من خلال دعم المشاريع الصغيرة لسد الحاجات الأساسية. كما يتوجب على منظمات المجتمع المدني الأخذ بعين الاعتبار الاحتياجات النفسية و الاجتماعية و الصحية فهذا يؤدي إلى تحقيق الذات على مستوى الأفراد و الأسر. و هذه العملية يجب أن تتم بمساندة وسائل الإعلام بكل أشكالها المقروءة و المسموعة و المرئية لاسيما وسائل التواصل الاجتماعي.

* كيف تتأثر العلاقة بين الفرد و الأسرة باختلاف الأنظمة السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الدينية الحاكمة لأي بلد؟ و كيف تستطيع الأسر التغلب على المشكلات الناشئة عن الخلل في هذه الأنظمة؟

- من المؤكد أن العلاقة بين الفرد و الأسرة تتأثر بالواقع المفروض السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي و الديني، فمنذ العصر اليوناني كانت التربية أداة بيد السلطة السياسية لدرجة أن أفلاطون وضع منهجا خاصا بالتربية، أي أن التربية كانت تسخّر لصالح السلطة السياسية و هذا الأمر ينطبق على العديد من الأنظمة الحاكمة التي كانت تكيف التربية و التنشئة لصالح السلطات السياسية. و في المجتمع المصري القديم كانت السلطة بيد رجال الدين كذلك الأمر في المجتمع الأوروبي الذي سيطرت فيه الكنسية على الحكم، و هذا الأمر لابد كان يؤثر على طرائق التربية العائلية. و من الضروري التأكيد على دور الاقتصاد و هيمنته على كل معالم السلطة و القيادة أي أن مُلاك الثروات و المال هم من يتحكمون بشكل مباشر أو غير مباشر بالأنظمة الحاكمة بكل مستوياتها السياسية و الاجتماعية و الدينية و غيرها.

و بقدر ما تراعي الأنظمة الحاكمة واقع الأسر المنشئة لأفرادها، و بقدر ما تهم هذه الأنظمة بالأسرة و احتياجاتها الأساسية و التعليمية و الثقافية و الاقتصادية بقدر ما تتمكن من بناء مجتمعات قوية.

أما بالنسبة لكيفية معالجة الأسر للخلل الناتج عن بعض الأنظمة، أعتقد أنّه عندما يكون النظام ضعيفا في أي دولة من الدول لا تستطيع عندها الأسر معالجة الخلل. ففي كل دساتير الدول تحظى الأسرة بمكانة عالية لاسيما أن المجتمع يتشكل من مجموع الأسر و عندما تفتقد الأسرة لهذا الترابط يبقى عندها المجتمع مُهدَّدا. و قد تسعى جهات غير رسمية إنسانية أو دينية لتفادي الخلل لكن إذا لم تتمكن السلطة و الأنظمة في أي بلد من البلدان من حماية الفرد و الأسرة وفق قوانين نافذة و ناظمة لن يتم تفادي الخلل بين الفرد و الأسرة و بين الأسرة و الأخرى و بالتالي بين عناصر المجتمع ككل.

* ماهو تأثير انتشار وسائل الاتصال الحديثة على خصائص الأسرة و تركيبتها من النواحي العاطفية و الفكرية و الأخلاقية و السلوكية؟ ما هي سلبيات و إيجابيات استخدام الفرد لوسائل التواصل الحديثة؟

- جميع أشكال وسائل الاتصال الحديثة ساهمت و تساهم في عملية التباعد بين أفراد الأسرة نظرا لاستخدامها بشكل خاطئ و مفرط على حساب الأدوار الاجتماعية المكونة من حقوق و واجبات، فالإدمان التقني أو الالكتروني جعل البعض يطلق على وسائل التواصل الاجتماعي مصطلح "وسائل الانفصال الاجتماعي". كما أن فقدان تنظيم الوقت يعتبر من أبرز النتائج السلبية لاستخدام هذه الوسائل.

يمكن القول أن النسب العظمى أساءت و تسيء استخدام وسائل التواصل التي يتطلب التعامل معها نضوجا اجتماعيا و وعيا ثقافيا فإن أي تطور تقني لابد أن يصحبه تطور اجتماعي و إلا وقعت مشاكل كثيرة. و خير مثال على ذلك تلك الأسر التي يعيش أبناؤها تحت سقف واحد لكن لا تجمعهم أي روابط عميقة تتجلى بالحوار السليم و المغني أو بالتعبير عن الحاجات العاطفية بشكل سليم. كما أن العنف الأسري و الخيانات الزوجية و الطلاق تعد من أبرز النتائج السلبية للاستخدام الخاطئ لوسائل الإعلام الحديث.

لكن لا يمكننا أن ننكر الدور الإيجابي لوسائل الاتصال و الإعلام في تعزيز المعرفة و الثقافة بطرق عديدة، على سبيل المثال يساهم تطبيق الواتس آب عبر خاصية إنشاء مجموعات من نشر المعلومات القيمة و التي تحمل طابعا تثقيفيا و تربويا بين المشتركين في هذا التطبيق. و تساهم هذه التطبيقات أيضا في تسهيل عملية التواصل و التماسك و توفير الوقت و الجهد في العمليات التربوية.

* كيف ترى مستوى تأثير العاملين المختصين في مجال علم الاجتماع العائلي على النهوض بالمجتمع بشكل عملي لا نظري فقط؟ ما هي الصعوبات و العقبات التي تواجه هؤلاء العاملين؟

- صحيح أن هناك دراسات نظرية تشخص واقع الأسرة و ظروفها و احتياجاتها لكن على الجانب الآخر يتجلى الواقع العملي لدور العاملين الاجتماعيين و النفسيين من خلال منظمات و مؤسسات المجتمع المدني و الجمعيات الرديفة التي تتبع للجهات الرسمية كوزارة الشؤون و غيرها. من أبرز هذه المنظمات و الجمعيات في سوريا "الأمانة السورية للتنمية الاجتماعية" التي تضم المنظمة السورية للمعوقين (منظمة آمال) و المنارات التي تتبع لها في كافة أرجاء القطر العربي السوري بمختلف نشاطاتها التي طالت كل مدرسة و كل منزل في كل محافظة من المحافظات السورية، إضافة إلى منظمة الهلال الأحمر العربي السوري عبر فروعها و شعبها في كافة مناطق و أرجاء سوريا. يقدم العاملون الاجتماعيون من خلال هذه المنظمات و الجمعيات الدعم و الارشاد الأسري و النفسي و يقومون بنشر الثقافة و التوعية الاجتماعية و يساعدهم في أعمالهم أطباء نفسيون.

إن العاملين الاجتماعيين يساندون الأسر السورية أيضا من خلال المؤسسات الرسمية التربوية كوزارة التربية و وزارة الشؤون الاجتماعية حيث يعملون بشكل رسمي كمرشدين اجتماعيين تربويين و كمرشدين نفسيين.

و على الرغم من حجم العمل الواسع الذي تقوم به هذه الجهات تجاه العائلات السورية مازالت هذه الأسر بحاجة للمزيد من الدعم في ظل الظروف الصعبة على المستوى المادي و الصحي و النفسي و التربوي و التعليمي، فما زالت إمكانيات الجهات الداعمة لا تتناسب مع حجم الاحتياجات.

و أعتقد أن تعذر توظيف العاملين الاجتماعيين في الأماكن المناسبة لهم يعد من أبرز الصعوبات و التحديات التي تواجههم. كما تقوم بعض الجهات من منظمات و جمعيات و غيرها بتوظيف بعض الأشخاص غير المهنيين و من تخصصات غير اجتماعية الأمر الذي ينعكس سلبا على مستوى التنمية الأسرية و على سلامة الأسر نفسيا و اجتماعيا. ويعد نقص التأهيل الميداني المدروس للعاملين الاجتماعيين سببا من أسباب تراجع دور مجال علم الاجتماع عمليا في عملية التنمية الشاملة.

* أشكرك د. جهاد على مساهتمك الإنسانية عبر المنظمة الدولية للإعلام و الإبداع و التنمية و أتمنى لك و لكل العاملين في الحقل الاجتماعي كل التوفيق للنهوض بمستوى الفرد و الأسرة.





© كل ما يتعلق بحق الملكية الفكرية و الأدبية يقع على عاتق كاتب المادة المنشورة فقط