2024-02-14
إعداد د. مادلين قصاب
يشهد العالم ثورة تكنولوجية تتسارع نتائجها و تأثيراتها على معظم القطاعات العلمية و العملية و المهنية و تختلف بسببها مهارات التواصل الحديثة عما كانت عليه في السابق. كما يشهد العالم ميولا دوليا تجاه تحقيق التنمية المستدامة بغية الحفاظ على توفر الموارد الضرورية لاستمرار الحياة البشرية الكريمة دون العبث بحياة الكائنات الأخرى. و تساهم مجموعة من العلوم في تطوير خطط و مشاريع التنمية المستدامة و تطوير العمليات الاتصالية المؤثرة في الوعي الجمعي لا سيما في هذا الوقت الذي تتشابك و تتعقد فيها المتغيرات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الفكرية و البيئية و غيرها من العوامل المتحكمة في بناء و هدم الوعي الإنساني. و لا بد أن كتابة التاريخ و توثيقه يساهمان في نوعية نشوء و تكوين الوعي الجمعي للبشرية. من هنا تأتي الحاجة للحديث عن دور تدريس التاريخ في كل ما سبق ذكره.
و لمناقشة علاقة توثيق و دراسة التاريخ بوسائل الإعلام و التنمية المستدامة، و للحديث عن تطور أدوات و طرائق التعليم في قطاع التاريخ و عن العراقيل التي تواجه العملية التعليمية في هذا القطاع، معي الدكتور صالح محروس المختص في التاريخ الحديث و المعاصر و المهتم بتطوير المهارات الاتصالية و النهوض بعملية التنمية المستدامة.
نشر الدكتور صالح أكثر من 45 كتابا و 50 بحثا علميا محكما في مجلات و مؤتمرات دولية عقدت في آسيا و إفريقيا و أوروبا. و للدكتور صالح مئات المقالات المنشورة في الحياة اللندنية و القدس العربي اللندنية و رأي اليوم اللندنية و في مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط و صحيفة الوطن العمانية و صحيفة عمان و الرؤية الإماراتية. و الدكتور صالح عضو في اللجان العلمية و الاستشارية للعديد من المجلات المحكمة و المراكز البحثية. و هو مؤسس الرابطة العربية الإفريقية و أول أمين عام لها، و هو نائب رئيس المجلس الأعلى للغة العربية في دولة تشاد الإفريقية و عضو في الاتحاد الدولي للمؤرخين و عضو في الجمعية المصرية التاريخية و عضو في اتحاد المؤرخين العرب و عضو في الاتحاد العربي للثقافة.
درّس مقررات التاريخ الحديث و المعاصر في جامعة بني سويف المصرية، و هو أستاذ مشارك في الجامعة الإسلامية بمينيسوتا الأمريكية و في الجامعة الأمريكية المفتوحة و جامعة الريادة العالمية و عميد الدراسات العليا في الجامعة الآفروآسيوية. و له مشاركات عديدة في برامج تلفزيونية و إذاعية.
* ما مدى اعتماد علم التاريخ على وسائل الإعلام كمصدر للمعلومات في عملية توثيق الأحداث المحلية و الدولية؟ هل ساهمت إيجابيا هذه الوسائل بتغيير شكل و محتوى التوثيق؟ و ما هي سلبيات اعتماد علم التاريخ على وسائل الإعلام لاسيما الحديثة؟ و كيف ترى مستوى التضليل الحاصل في عمليات تجميع و نقل و تحليل المعلومات بسبب الاعتماد على وسائل الاتصال كمصدر للمعلومات؟
ـ إن الاعتماد على المصادر المكتوبة و المسموعة و المرئية في وسائل الإعلام القديمة و الحديثة يجب أن يكون مضبوطا بضوابط علمية دقيقة، حيث يجب على الباحث معرفة مصدر المادة الإعلامية و التأكد من مصداقيته و توجهاته، فجميع المصادر الإعلامية لها ميول و غايات و أهداف و هذا الأمر يؤكد غياب المصادر الإعلامية الصادقة بنسبة مئة في المئة. كما يجب على الباحث الحذر من اعتماد مواد إعلامية مفبركة و هذا يتطلب خبرة تقنية يحتاجها المؤرخ لتمحيص جودة و مصداقية المواد المعتمدة لتوثيق الأحداث و الوصول إلى الحقيقة.
و عليه، يمكن للباحث الاعتماد على وسائل الإعلام و الاتصال كمصدر لكتابة التاريخ لكن بعد القيام بعملية النقد العلمي و التي تتألف من ثلاث مراحل: النقد الخارجي، و هذا يجيب عن سؤال "هل هذه المادة صحيحة و تنسب إلى من قالها؟"، ثم يأتي النقد الباطني و الذي يشمل نقد المادة نفسها و البحث في صحة مضمونها، و إذا حدث تضارب ننتقل للمرحلة الثالثة و هي الشك في المصدر.
و لا بد من التأكيد على أن التاريخ يُكتب بناءا على وثائق رسمية و مصادر شخصية موثوقة لذا لا يمكن للمؤرخ الاعتماد على المصادر الإعلامية فقط. لكن هذا الأمر لا يقلل من شأن التوثيق الإعلامي للأحداث و الأفكار و المعلومات، فالمخزون العلمي و المعرفي الذي توفره وسائل الاتصال في عصر الانترنت يسمح لأي باحث بالوصول إلى المواد العلمية و غير العلمية بسهولة و غالبا بدون تكاليف مادية. و هذه الإيجابية في الاعتماد على وسائل الإعلام و الاتصال تقابلها خاصية سلبية تتمثل بالتضليل و الذي يكون خطيرا في حالات كثيرة. فالتضليل الذي نشهده على هذه الوسائل يزداد بازدياد رغبة مالكي و مديري الآلة الإعلامية في الهيمنة و السيطرة و في تحقيق أهدافهم و نشر إيديولوجياتهم و استقطاب من يريدون استقطابه. أصحاب المال هؤلاء يشترون أيضا بعض الأكاديميين ذوي النفوس الضعيفة و يسخرونهم لكتابة ما ينفعهم و يحقق مصالحهم و يثبت أوتاد نفوذهم و سلطتهم.
* انطلاقا من اهتمامك بتطوير مهارات الاتصال، هلا حدثتني عن العلاقة التي يمكن أن تربط بين دراسة التاريخ و بين تطوير المهارات الاتصالية للأفراد و الجماعات؟ كيف يمكِّن التعمق في التاريخ القديم و الحديث من الارتقاء بالقدرات الاتصالية اللفظية و غير اللفظية؟
ـ يدرس التاريخ نشاط الإنسان عبر العصور المختلفة لفهم الحاضر و التنبؤ بالمستقبل، و من هنا تتضح لنا أهمية دراسة التاريخ بغية الاستفادة من التجارب الإنسانية السابقة، فالتاريخ هو المجمع للخبرات وللنتائج المترتبة عليها و من خلاله نفهم أوجه الشبه و الاختلاف في الأفكار و السلوكيات الإنسانية القديمة و الحديثة و السائدة و المرتبطة بمستوى وعي و أخلاق المجتمعات. لذا فدراسة التاريخ ليست بغرض معرفة الماضي فقط بل من أجل المستقبل أيضا. و هذا يؤكد أهمية مساهمة التاريخ في تطوير العملية الاتصالية بين الأفراد و الجماعات عن طريق دراسة و تحليل الجوانب التاريخية للفرد و الجماعة و عبر البحث عن العناصر المشتركة بين الأفراد و الشعوب و اعتماد نتائج هذا البحث كأعمدة لبناء اتصال فعال و علاقات قوية بين الأفراد و المجتمعات. فمثلا إن معرفتك للغة السواحلية وتاريخ شرق إفريقيا يساعدك على التواصل مع سكان هذه الرقعة الجغرافية (تنزانيا، أوغندا، كينيا، بورندي، رواندا).
* كما تعرف دكتور، تساهم مجموعة كبيرة من العلوم في مجالات التنمية البشرية و التنمية المستدامة، كيف ترى مساهمة علم التاريخ في خطط و مشاريع التنمية المستدامة على المستوى المحلي و الدولي؟ أرجو التفضل بإعطائي أمثلة إن أمكن.
ـ نعم، إن دراسة التاريخ تلعب دورا مهما جدا في عملية التنمية على كل المستويات، فالتاريخ يدرس التجارب البشرية للاستفادة منها لا لتخزينها فقط. فمثلا، دراسة التجربة الماليزية و السنغافورية في التنمية و تقليدها أو على الأقل البناء على أساسها سيؤدي حتما للنهوض بالعملية التنموية في الدول العربية و الإفريقية. و دراسة التجربة الرواندية في المصالحة و التنمية و تطبيقها في السودان سيغيره من حال إلى حال. و عدم الاستفادة من التجارب التاريخية يعني التأخر و التخلف. فمثلا، أدت الديون في عهد الخديوي إسماعيل إلى الاحتلال الانجليزي و إعادة التجربة نفسها حاليا سيؤدي إلى نفس النتائج.
* ما هي العراقيل الأساسية التي تواجه عملية توثيق الأحداث في ظل النزاعات و الحروب؟ و كيف يواجه الباحث الرقابة التي تمارس عليه اجتماعيا و سياسيا و ربما دينيا أثناء توثيقه و تحليله للأحداث؟ و كيف تنظر إلى الرقابة الذاتية التي يمارسها الباحث على نفسه بغية تفادي أي تهديد يمكن أن يتعرض له؟
يعد التوثيق في وقت الحروب مهمة صعبة يقوم بها الإعلامي و يعرض حياته للخطر و العديد من الصحفيين لقوا حتفهم أثناء تغطيتهم للحروب و النزاعات (مقتل الصحفيين في غزة نموذجا). و مواجهة رقابة من لا يريدون أن تعرف الشعوب الحقيقة مسؤولية شاقة و أعتبر توثيق الإعلاميين لهذه الأحداث الخطيرة عملا بطوليا لا ضمانات فيه.
و بالنسبة لتوثيق المؤرخ للحروب و الأزمات بشكل مباشر لا عن طريق وثائق فقط أو مصادر بعيدة يحتّم عليه التواجد في أماكن النزاع و الصراع و تصوير و توثيق ما يحدث. كما يمكن له أن يكون شاهد عيان يدون في مذكراته كل ما شاهده و سمعه من قصص و أحداث.
أما الرقابة الذاتية لها أشكال عدة و تتجلى أحيانا بالحذر الشديد و إرسال المادة الإعلامية أو الأكاديمية لأكثر من جهة ثم حذفها بعد إرسالها. و البعض يمتنع عن كتابة و توثيق موضوعات قد تتسبب في مشاكل مع الأنظمة الحاكمة و الدول. و بعض الأكاديميين يواجهون الرقابة و الضغوط السياسية بالهرب إلى دولة أجنبية و العيش فيها.
* ما هي أبرز التغيرات التي شهدها قطاع تعليم التاريخ لديكم من حيث الشكل و المضمون؟ و ما هي العراقيل التي تواجه عملية تدريس التاريخ؟
في الحقيقة، يحتاج مدرسو التاريخ لتعلم العديد من الاستراتيجيات و التقنيات الحديثة و المهمة في تعليم التاريخ. مثلا، تقنية "خط الزمن" المفيدة جدا في تدريس الحقب التاريخية المختلفة، حيث توزع الأحداث على خط يعرف بـ "خط الزمن" و هذا يساعد المعلم على شرح درس طويل في محاضرة واحدة. و استراتيجية "نهر الحياة" تسهل على الطالب فهم الأحداث و وضعها في سياقها الدقيق. فمثلا، يرسم المعلم تاريخ دولة ما على شكل نهر منبعه يمثل تأسيس الدولة و مصبه يعني نهايتها و في المنتصف نجد إنجازات و تجارب هذه الدولة. و يجب على مدرس التاريخ تعلم "فلسفة التاريخ" التي تساعده على فهم المضامين بطريقة تمكن من تسخير التجارب لبناء المستقبل. مثلا، معرفة الدروس المستفادة من هجرة النبي محمد إلى يثرب (المدينة المنورة).
التدريس عن بعد ممتاز و له مميزات عديدة منها توفير الوقت و المال على الباحث و المعلم. و لهذا يجب على مدرس التاريخ تعلم و إتقان وسائل التعليم الحديثة و التطبيقات و البرامج اللازمة للتدريس عن بعد.
وأعتبر أن التهميش المتعمد لتدريس التاريخ في العالم العربي و الإفريقي يعد من أهم العراقيل. فالتاريخ في العديد من الجامعات يعد مادة اختيارية و في جامعات أخرى لا يُدرّسُ أصلا. أما في العالم الغربي فهناك كليات مختصة في التاريخ و متانة العلاقة بين علماء التاريخ و رجال السياسة و الحكام و الرؤساء ملحوظة جدا.
كما أعتبر أن تدريس التاريخ كمادة تحفظ و لا تفهم يعد حاجزا حقيقيا أمام النهوض بالوعي العام، لذا يجب على المختصين تعليم التاريخ كتجارب بشرية متراكمة تبنى عليها أساسات الحضارات المستقبلية.
* أشكرك د. صالح جزيل الشكر على مساهمتك في نشر المعرفة و على تعاونك مع المنظمة الدولية للإعلام و الإبداع و التنمية من خلال تخصيص جزء من وقتك و علمك و خبراتك.
ـ أشكرك بشدة د. مادلين على هذا الحوار الممتع الذي فتش في ذاكرتي عن تخصصي الذي أعشقه و قضيت فيه عمري، كل الشكر و التقدير لكم.