2026-04-04
إعداد د. مادلين قصاب
في زمن تتقاطع فيه الأزمات السياسية والاقتصادية والبيئية، تبرز الطاقة المستدامة كرؤية علمية وفنية وفلسفية قادرة على إعادة صياغة علاقة الإنسان بالعالم، وتحويل التوجه من السيطرة إلى المشاركة. فالطاقة التقليدية التي تدار بمنطق السوق والمصالح تعد أداة للهيمنة، أما الطاقة المستدامة فإنها تفتح آفاقا واسعة للعدالة والنهضة البيئية والاجتماعية والاقتصادية. كما أنها تساهم في إعادة توزيع النفوذ الطاقي عالميا، فالدول الغنية بالشمس والرياح والمياه تتحول تدريجيا إلى مراكز للطاقة الجديدة، وبذلك تتغير موازين القوى التقليدية المعتمدة على النفط والغاز.
التنمية المستدامة ليست مجرد إصلاح تقني وإنما ثورة متكاملة في عالم القيم، وعلم أخلاقي يطالب البشرية باكتشافات تخدم استمرار الحياة لا المصالح الفردية، ويدعو الإنسان للتحول من منطق القوة إلى منطق الرعاية.
في هذا السياق، تلعب الجامعات دورا محوريا يتجلى بشكل أساسي في إنتاج المعرفة العلمية، تطوير التقنيات المستدامة، وإعداد كوادر قادرة على قيادة التحول الطاقي في العالم. والجامعات تمثل الجسر المتين الذي يربط بين البحث العلمي وصناعة القرار.
بغية الحصول على فهم أعمق، ومن أجل معرفة التحديات والعوائق، والتعرف على فرص التطوير في مجال الطاقة المتجددة، معي في هذا الحوار الأستاذ الدكتور سمير الجبوري، الأكاديمي والباحث العراقي، التدريسي في كلية الهندسة في جامعة الكتاب، المتخصص في مجال هندسة الطاقة، والذي يتمتع بخبرة علمية وبحثية غنية وعميقة في مجالات الطاقة المتجددة، أنظمة القدرة، والتقنيات الحديثة المرتبطة بالاستدامة. ويمكننا الاستدلال على بصمته العلمية المتميزة على المستوى الدولي من خلال أبحاثه المنشورة في مستوعبات سكوبس والتي تتجاوز 250 بحث علمي. كما يركز د. سمير الجبوري على الربط بين البحث العلمي والتطبيق العملي، ويسعى لتقديم حلول واقعية لمشكلات الطاقة في المنطقة العربية، ويولي اهتماما خاصا بتطوير الخبرات البحثية لدى الطلبة والباحثين. حاز أيضا على عدة جوائز كأفضل باحث منها: جائزة وزير التعليم العالي والبحث العلمي في العراق، وأكثر من جائزة من وزارة التعليم في إقليم كردستان العراق.
* يعد الاعتماد على الهيدروجين الأخضر من العوامل المهمة في قطاع الطاقة بغية تحقيق التنمية المستدامة، كيف ترى أو تتخيل "شبكات القدرة" في حال اعتمد العالم بنسبة كبيرة على هذا الهيدروجين؟ وما هي التحديات الفنية والهندسية التي تعيق ذلك؟
- في حال الاعتماد الواسع على الهيدروجين الأخضر، ستتحول شبكات القدرة من أنظمة مركزية تقليدية إلى أنظمة هجينة مرنة تجمع بين الكهرباء والهيدروجين. وسنشهد تكاملا بين شبكات الكهرباء وأنظمة إنتاج وتخزين الهيدروجين، بحيث يصبح الهيدروجين وسيلة لتخزين الطاقة ونقلها عبر الزمان والمكان.
أما التحديات، فتشمل: كفاءة التحليل الكهربائي وإنتاج الهيدروجين، صعوبات التخزين والنقل، الحاجة إلى بنية تحتية جديدة بالكامل، وقضايا الأمان والتكلفة.
* من وجهة نظرك، هل يمكن أن تتحول منظومات الطاقة إلى "كائنات ذكية" تُراكم المعرفة وتتعلم وتتطور على غرار الأنظمة البيولوجية؟
- نعم، هذا الاتجاه بدأ بالفعل من خلال الشبكات الذكية، ومع تطور الذكاء الاصطناعي، يمكن أن تتحول منظومات الطاقة إلى أنظمة قادرة على التعلم من البيانات، التكيف مع الأحمال، التنبؤ بالأعطال، وتحسين الكفاءة بشكل ذاتي. وستصبح أنظمة رقمية متطورة جدا تحاكي بعض خصائص الكائنات الحية في التعلم والتكيف، لكنها بالطبع لن تتحول إلى "كائنات بيولوجية".
* نسمع بشكل متكرر ـ في معظم وسائل الإعلام ـ عن أزمة الطاقة والمناخ. برأيك، ما هو الخطأ الأكبر الذي يرتكبه الأكاديميون والمسؤولون في فهمهم لهذه الأزمة والتعامل معها على مستويات التخطيط والتنفيذ؟
- أعتقد أن الخطأ الأكبر هو التعامل مع الأزمة بشكل مجزأ، أي فصل الطاقة عن الاقتصاد أو البيئة عن السياسة. بالإضافة إلى ذلك، هناك تركيز مفرط على الحلول قصيرة الأمد، مثل زيادة الإنتاج التقليدي، بدلاً من الاستثمار الحقيقي في التحول المستدام. لذا فنحن بحاجة إلى رؤية تكاملية طويلة الأمد تأخذ بعين الاعتبار الترابط بين جميع هذه العوامل.
* هل تعتقد أن البحث العلمي في مجال الطاقة المتجددة يسير أسرع من قدرة الحكومات على استيعابه أم العكس؟ وهل تعتبر أن الجامعات هي المكان الأفضل والمهيمن على إنتاج المعرفة في مجال الطاقة أم أن هناك كيانات أخرى، كالشركات الرأسمالية الضخمة، تسيطر على القدر الأكبر من هذا الإنتاج كميا ونوعيا؟
- بشكل عام، يتقدم البحث العلمي بوتيرة أسرع من قدرة الحكومات على الاستيعاب، بسبب البيروقراطية وتعقيد عمليات اتخاذ القرار. أما من يقود إنتاج المعرفة في مجال الطاقة فيمكننا القول أن الجامعات تقود البحث الأساسي والشركات الكبرى تقود التطبيق و التطوير التكنولوجي. ويجب أن ندرك أن التقدم الحقيقي لا يحدث إلا عند وجود تكامل بين الطرفين وانعدام للصراع والتنافس السلبي.
في هذا السياق، لابد أن أثني على الدور المحوري لجامعة الكتاب في دعم البحث العلمي، وذلك من خلال تبنيها لسياسة مؤسسية واضحة تقوم على تحفيز الباحثين وتوفير بيئة أكاديمية منتجة ومستقرة. فالجامعة لا تكتفي بالدعم المعنوي للأكاديميين، بل تقدم منظومة متكاملة تشمل مكافآت مالية، وتغطية أجور النشر في المجلات العالمية الرصينة، وتدعم المشاركة في المؤتمرات العلمية داخل العراق وخارجه، مع تخصيص ميزانية مستقلة للبحث العلمي. لذا انعكس هذا الدعم بشكل مباشر على مستوى الإنتاج العلمي وعلى ترسيخ حضور الجامعة في المحافل الأكاديمية الدولية. وعلى المستوى الشخصي، تمكنت من نشر أكثر من 250 بحث علمي في مستوعبات سكوبس. كما أسهمت بيئة الدعم العلمي في جامعة الكتاب وسمعتها الأكاديمية في تعزيز حضوري على المستوى الأكاديمي الدولي، حيث كنت باحثا زائرا في جامعة لوند السويدية من 2014 إلى 2020، وأعمل الآن كباحث زائر في أكاديمية الطاقة في برلين – ألمانيا، ضمن فريق بحثي ألماني لمدة ثلاث سنوات، في تجربة تعكس انفتاح الجامعة على التعاون العلمي الدولي واندماج باحثيها في مراكز البحث العالمية المتقدمة.
* لو تفكرنا قليلا لوجدنا أن الطاقة المتجددة ليست مجرد تقنية، وإنما طريقة عميقة لفهم علاقتنا بالأرض على المستوى المادي والروحي. برأيك، هل تقوم المنظمات والجهات الدولية بمسؤوليتها بشكل كاف تجاه نشر الوعي بهذا الأمر؟ وهل تطور هذه الجهات "برامج تطبيقية" نستطيع تعميمها على كل مجتمعات الأرض؟ إذا كان الجواب "نعم"، من فضلك، أعطنا مثالا واحدا على الأقل.
- نعم، الطاقة المتجددة ليست مجرد تقنية، بل مرآة تعكس تحولا في فهم الإنسان لعلاقته مع الطبيعة وانتقاله من الاستغلال إلى التوازن. والمنظمات الدولية تبذل جهوداً، لكنها لا تزال غير كافية، خاصة فيما يتعلق بتحويل الوعي إلى تطبيق عملي. برامج نشر الطاقة الشمسية اللامركزية في بعض الدول النامية تمثل نموذجا عمليا يمكن تعميمه، لأنها تجمع بين التكنولوجيا والتنمية الاجتماعية والمعرفية.
* في الختام، أشكرك جزيل الشكر أ.د. سمير الجبوري على تخصيصك الوقت الكافي للمساهمة في نشر الوعي عبر المنظمة الدولية للإعلام والإبداع والتنمية، وعلى سعيك الدائم لمشاركة خبراتك ومعرفتك عبر مختلف المنصات والمنظمات والكيانات العلمية والتنموية والإبداعية.