2026-04-06
إعداد د. مادلين قصاب
في هذا الوقت الذي ينمو فيه التوجه المادي النفعي على حساب استثمار الطاقات البشرية وغير البشرية للوصول إلى أسمى درجات الرقي المادي والفكري والنفسي والروحي، لا بد من التركيز على دور الفنون في التطوير العلمي والتنموي. فالفن بنية معرفية لا مساحة جمالية فقط، وهذه البنية مسؤولة عن فهم الإنسان لذاته، وعن رؤيته للعالم الخارجي، وعن التعامل مع تحديات مادية ونفسية وعقلية، وابتكار حلول تتجاوز حدود المنطق والسلوكيات النمطية المحدودة.
وأي مشروع تنموي يبقى ناقصا ما لم يسكن الوجدان كل تفاصيله. والفن هو الحامل الأساسي لجوهر هذا الوجدان، وهو الأداة الموازنة بين الفكرة والإحساس، وبين المنطق والشعور، وبين دلالات العدد ودلالات الحرف، وبين المادة والمعنى، وبالتأكيد بين المعرفة والحكمة.
بغية الخوض بعمق في هذا الموضوع، وتحصيل معرفة نابعة من بحث علمي وخبرات عملية ميدانية، معي في هذا الحوار الأستاذة الدكتورة سلوى محمود حسن، عميدة كلية الفنون التطبيقية في جامعة بدر في أسيوط. تشغل أ.د. سلوى مناصب عدة منها: مديرة وحدة التدريب الأكاديمي بكلية الفنون التطبيقية في جامعة حلوان. المستشارة الإعلامية للبرنامج التنموي للمرأة والطفل التابع للمجلس القومي للأمومة والطفولة. مستشارة إعلامية لمستشفى سرطان الأطفال الجديد. المديرة التنفيذية لحاضنة الإبداع للتدريب في جريدة الأهرام. المستشارة التربوية للجنة العليا لتنمية المهارات وسوق العمل في جامعة سيناء. رئيسة لجنة إعداد الدبلومات المهنية لقسم الإعلان في كلية الفنون التطبيقية في جامعة حلوان.
* كما تعلمين دكتورة، الكثير من طرائق التعليم والتدريس أصبح مملا لشرائح واسعة من الطلبة من كل الفئات العمرية، ولا بد أننا بحاجة إلى دمج العلم مع الفن بغية تقديم محتوى علمي وأكاديمي يخاطب الفكر البشري بموضوعية، ولكن لا ينتزع منه حرية تسخير الطاقات العاطفية بغية تحقيق فهم أعمق، وإدراك أوسع وبالتالي سلوكيات أوعى.
برأيك، كيف يمكن أن تساهم الفنون التطبيقية في تحقيق هذا الهدف؟ وهلّا تفضلتِ بتقديم أمثلة واقعية تعكس دور الفنون التطبيقية في تحويل التجربة العلمية من حالة نقل للمعرفة إلى كونها طقسا يملأ النفس الباحثة عن المعرفة بالغبطة والتوازن؟
وفي هذا السياق لا بد أن أذكّر بأهمية توجه قطاع الجودة والاعتماد إلى التركيز على الفنون بحيث تصبح المعايير والاعتمادات أشبه بتصميم هندسي يراعي الحاجات الإنسانية الفكرية والعاطفية على مستوى الشكل والمضمون.
- نحن نعيش في عصر "تخمة المعلومات" مقابل "مجاعة المعنى". تحويل التعليم من مجرد عملية "شحن" للأدوات المعرفية إلى "طقس" مفعم بالغبطة ليس ترفاً، بل ضرورة وجودية لاستعادة شغف التعلم. والفنون التطبيقية هي الجسر المثالي لهذا التحول، لأنها بطبيعتها تدمج بين الوظيفة الصارمة والجمالية العاطفية.
تساهم الفنون التطبيقية في "أنسنة" العلم من خلال تحويل المفردات العلمية الجافة إلى تجارب بصرية وحسية ملموسة، وذلك عبر عدة محاور منها:
1- التصميم الجرافيكي وتجسيد البيانات
بدلاً من قراءة جداول بيانات صماء، يقوم الفن التطبيقي بتحويل الأرقام إلى قصص بصرية. عندما يصمم الطالب "إنفوجرافيك" يشرح دورة حياة خلية أو مسار كوكب، هو لا يحفظ معلومة، بل يبني علاقة بصرية وعاطفية مع الشكل واللون والكتلة، مما يرسخ المعلومة في الذاكرة الطويلة الأمد.
2- التصميم الصناعي وتجربة المستخدم
عندما ندرس الفيزياء من خلال تصميم نماذج أولية لآلات بسيطة أو أدوات يومية، يتحول القانون الفيزيائي من معادلة رياضية إلى إحساس بالمقاومة، والوزن، والانسيابية. هنا يصبح العلم "ملموساً" وليس مجرد نظريات مخزنة على الورق.
3- العمارة والبيئة التعليمية
الفن التطبيقي يتدخل في تصميم الفضاء التعليمي نفسه. الفصول التي تراعي "سيكولوجية التصميم" (من حيث الإضاءة، وتدفق الحركة، واستخدام الخامات الطبيعية) تحول المدرسة من "ثكنة" لنقل المعرفة إلى "محراب" يبعث على الاتزان النفسي، مما يهيئ الدماغ لامتصاص المعرفة بمرونة أكبر.
أتفق معك تماماً في أن معايير الجودة يجب أن تخرج من إطار "التفتيش" و"القوالب الجاهزة" لتصبح "هندسة معمارية للعملية التعليمية." فمن ناحية الشكل، يجب أن تعتمد الجودة واجهات تعليمية (سواء رقمية أو فيزيائية) جذابة تحترم ذوق المتعلم. ومن ناحية المضمون، يجب أن تقيس الاعتمادات الأكاديمية مدى قدرة المنهج على إثارة "الدهشة" وليس فقط قياس "نواتج التعلم" الكمية.
إن اعتبار "الجودة" كعملية تصميمية يعني أننا نهندس "تجربة مستخدم" متكاملة. الجودة الحقيقية هي التي تضمن أن يخرج الطالب من قاعة المحاضرة ليس فقط بمعلومات أوفر، بل بروح أكثر توازناً وعقل أكثر تفتحاً للجمال.
* كيف ترين العلاقة بين الفن التطبيقي ومجال الصحة؟ هل يُستخدم الفن في البلدان العربية كعلاج أو وسيلة لتعزيز الشفاء الجسدي؟ إذا كان جوابك "نعم"، أرجو التفضل بتقديم أمثلة على ذلك؟
- العلاقة بين الفن التطبيقي والصحة هي علاقة "تكاملية" تتجاوز مجرد التزيين إلى ما يُعرف بـالتصميم الاستشفائي. في هذا السياق، لا يعود الفن مجرد لوحة على جدار، بل يصبح أداة هندسية وبيئية تؤثر مباشرة على المؤشرات الحيوية للمريض، مثل ضغط الدم ومستويات الكورتيزول (هرمون التوتر).
تخدم الفنون التطبيقية وتتدخل في المنظومة الصحية من خلال ثلاثة محاور أساسية:
1- عمارة البيئة الاستشفائية: أي تصميم غرف العمليات والممرات بألوان وخامات تقلل من رهبة المكان. كما أثبت علميا أن "التصميم البيوفيلي" (دمج الطبيعة في التصميم) يسرع علمية التعافي.
2- تصميم الأدوات الطبية: بحيث تتحول الأجهزة الطبية المرعبة (مثل أجهزة الأشعة المقطعية) إلى أشكال فنية أو قصص بصرية، خاصة في أقسام الأطفال، لتقليل الحاجة إلى التخدير الناتج عن الخوف.
3- العلاج بالفن: وهو استخدام العملية الإبداعية نفسها كأداة تشخيصية وعلاجية للأمراض النفسية والجسدية المزمنة.
يتزايد استخدام الفن كعلاج في البلدان العربية، رغم أنه لا يزال في طور النمو ليصبح ممارسة مؤسسية شاملة. والتحول بدأ ينتقل من الاجتهادات الفردية إلى الاستراتيجيات الوطنية في بعض الدول. وإليكِ بعض الأمثلة من الواقع العربي:
1- مبادرات المستشفيات الصديقة للطفل (مصر والسعودية):
تعتمد مستشفيات ـ مثل "57357" في مصرـ على الفنون التطبيقية بشكل جذري؛ حيث يتم تصميم الجدران والأرضيات والأسرّة كجزء من رحلة بصرية تخفف من آلام العلاج الكيميائي. هنا، التصميم الجرافيكي ليس ديكوراً، بل هو وسيلة لرفع الروح المعنوية وتحفيز الجهاز المناعي.
2- مراكز التأهيل والعلاج بالفن (الإمارات والأردن):
تستخدم مراكز ـ مثل مركز أبو ظبي للتوحد أو بعض الجمعيات في الأردن ـ الخزف والنسيج كفنون تطبيقية لتحسين المهارات الحركية الدقيقة لدى ذوي الاحتياجات الخاصة، وهذا دمج مباشر بين الفن والعلاج الطبيعي.
3- التصميم الداخلي للمراكز النفسية (المغرب وتونس):
هناك توجه متزايد لاستخدام الفن الإسلامي المعاصر والزخارف الهندسية في تصميم المصحات النفسية، لما توفره هذه الأنماط من شعور باللانهاية والهدوء النفسي، وهو امتداد لتاريخ العرب القديم في "البيمارستانات" التي كانت تعالج بالموسيقى والنافورات وتصميم الحدائق.
التصميم الرقمي والإضاءة الديناميكية يعدان من أبرز الأدوات لتعزيز الشفاء الجسدي عبر الفنون التطبيقية. فمن خلال التصميم الرقمي نستخدم الواقع الافتراضي الفني لتشتيت انتباه المريض عن ألمه، مثلا أثناء تغيير الضمادات أو الجلسات المؤلمة. وتفيدنا الإضاءة الديناميكية في تنظيم الساعة البيولوجية للمريض وتسريع الالتئام الجسدي وذلك من خلال تصميم أنظمة إضاءة تحاكي ضوء النهار.
إن الفن التطبيقي في عالمنا العربي اليوم يعيد اكتشاف دوره القديم؛ فالعمارة العربية القديمة كانت صحية بالفطرة (مشربيات للتهوية، أفنية للضوء، زخارف للتأمل). نحن الآن نقوم بـتحديث هذا الإرث ليكون جزءاً أصيلاً من بروتوكولات العلاج الحديثة.
* كيف يمكن للفن بشكل عام والإعلان بشكل خاص أن يتحولا إلى أدوات فعالة لتشكيل وعي جمعي إيجابي تجاه الاستدامة والتحول الأخضر؟ وكيف يمكن للإعلان أن يحمل بعدا فلسفيا يتجاوز الاستهلاك، ليصبح خطابا ثقافيا وتربويا؟ وهل يمكنك تقديم أمثلة توضح الكيفية التي من خلالها تساهم الفنون التطبيقية في تحويل الاقتصاد إلى فعل إبداعي وجمالي؟
- تتحول الفنون والإعلانات إلى قوى تغيير مجتمعية عندما تتوقف عن كونها أدوات لبيع المنتجات لتصبح أدوات لبيع القيم. هذا التحول يتطلب إعادة صياغة الفلسفة الكامنة وراء التصميم، بحيث لا يخاطب الإعلان الرغبة في التملك، بل الرغبة في الانتماء لمستقبل أفضل.
أولاً: الإعلان كخطاب ثقافي وتربوي (ما وراء الاستهلاك)
لكي يتجاوز الإعلان البعد الاستهلاكي، يجب أن يتبنى "فلسفة المنفعة الممتدة". فبدلاً من التركيز على ميزات المنتج، يركز الإعلان على الأثر البيئي والاجتماعي كجزء من هوية المستخدم.
أنسنة الاستدامة: فالفن يحول الأرقام الجافة (مثل نسب انبعاثات الكربون) إلى صور بصرية تلمس الوجدان. الإعلان هنا لا يوعظ، بل يثير العاطفة تجاه الطبيعة، مما يخلق وعياً جمعياً يرى في الحفاظ على الموارد فعلاً أخلاقياً وجمالياً وليس مجرد قيد قانوني.
الإعلان السردي: تحويل الاستدامة إلى "بطولة يومية". عندما يصور الإعلان إعادة التدوير أو تقليل الهدر كجزء من الرقي الإنساني والتحضر، فإنه يساهم في تشكيل ثقافة تربوية تبدأ من الطفل وتصل إلى صانع القرار.
ثانياً: الفنون التطبيقية وتحويل الاقتصاد إلى فعل إبداعي
الفنون التطبيقية هي المحرك الأساسي لما يسمى بـ "الاقتصاد البنفسجي" (الاقتصاد الذي يرتكز على البعد الثقافي والجمالي) و"الاقتصاد الدائري". إليكِ كيف يتحول الاقتصاد من خلالها إلى فعل جمالي:
1- الابتكار في الخامات
تساهم الفنون التطبيقية في تحويل النفايات إلى منتجات فاخرة. هذا الفعل الإبداعي يرفع القيمة الاقتصادية للمواد المعاد تدويرها.
مثال على ذلك: تحويل مخلفات النخيل أو البلاستيك المستخرج من المحيطات إلى وحدات إضاءة أو قطع أثاث ذات تصميم "مينيمالي" راقٍ. هنا المستهلك يشتري قطعة فنية وقصة بيئية، وليس مجرد قطعة أثاث.
2- التغليف المستدام كرسالة فنية
بدلاً من التغليف الذي ينتهي به المطاف في المهملات، تصمم الفنون التطبيقية عبوات تفاعلية أو قابلة للتحلل أو متعددة الاستخدام.
مثال: تصميم عبوات منتجات تحتوي على بذور بداخلها، بحيث تتحول العبوة بعد استخدام المنتج إلى نبتة في حديقة المستخدم. هذا يحول الفعل الاقتصادي (الشراء) إلى فعل بيئي (زراعة).
3- الهوية البصرية للمدن الخضراء
تساهم الفنون في تصميم العلامات التجارية للمدن التي تتبنى التحول الأخضر. عندما تصبح الحاويات، وأعمدة الإنارة الشمسية، ووسائل النقل العام مصممة بجمالية فنية متسقة، يشعر المواطن بالفخر بالانتماء لمنظومة تحترم ذوقه وبيئته، مما يعزز السلوكيات الإيجابية تلقائياً.
إليكِ بعض الأمثلة التوضيحية عن دمج الاقتصاد بالجمال:
1- تصميم الأزياء المستدامة، الذي يساهم في تقليل الطلب على الموضة السريعة الملوثة وتعزيز الصناعات اليدوية المحلية. ويحول الترقيع أو إعادة استخدام القماش إلى فن "Upcycling" يعكس التميز الفردي.
2- فن التجهيز في الفراغ، يجذب السياحة البيئية لمناطق محددة عبر أعمال فنية صديقة للبيئة، كتقديم صدمة بصرية إيجابية تدفع الناس للتفكير في حجم استهلاكهم للموارد.
إن الفن التطبيقي يمتلك القدرة على جعل "الزهد في الاستهلاك" يبدو كـ "أناقة في الاختيار". فعندما يصبح المنتج المستدام هو الأجمل والأكثر ذكاءً في التصميم، سيتحول الاقتصاد الأخضر من خيار نخبوي إلى سلوك شعبي عام.
* كيف تُستخدم الفنون التطبيقية لتمكين المرأة والطفل وتحرير المرأة من الصور النمطية السائدة؟
- تعتبر الفنون التطبيقية أداة فعالة لتمكين الفئات المجتمعية الأكثر هشاشة، ليس فقط كونه ترفيهاً، بل كأداة اقتصادية، وسياسية، ونفسية لتغيير الواقع.
يتجلى دور الفنون التطبيقية في تمكين المرأة وتحطيم الصور النمطية عنها من خلال:
1- الاستقلال الاقتصادي: الفنون التطبيقية (مثل تصميم الأزياء، صناعة الحلي، الخزف، التصميم الجرافيكي) تعد أنشطة يمكن للمرأة ممارستها بمرونة، غالباً من المنزل أو في تعاونيات نسائية. عندما تصبح المرأة منتجة ومصممة، تكتسب استقلالاً مالياً يمنحها صوتاً أقوى داخل الأسرة والمجتمع.
2- إعادة تعريف الحرف التقليدية: يعد الكثير من الحرف التقليدية العربية (مثل التطريز في فلسطين، أو نسج السدو في الخليج) اختصاصا نسويا تاريخيا. الفنون التطبيقية المعاصرة تعمل على ترقية هذه الحرف من مجرد أشغال منزلية إلى صناعات إبداعية فاخرة تُباع دولياً، مما يرفع مستوى القيمة الاجتماعية والاعتبارية لعمل المرأة.
3- التصميم كأداة للمقاومة الثقافية: من خلال التصميم الجرافيكي وفن التجهيز، تستطيع المرأة العربية إعادة صياغة قصتها. بدلاً من قبول الصور النمطية التي يروج لها الإعلام (المرأة كضحية أو كجسد للاستهلاك)، تقوم المصممات بابتكار لغة بصرية تظهر قوتهن، وتنوعهن، وإبداعهن.
أما بالنسبة لدور الفنون التطبيقية في تمكين الطفل وإعطائه صوتا، سأركز على نقطتين:
1- تصميم البيئة والأدوات:
تمكين الطفل يبدأ من بيئته. الفنون التطبيقية تتدخل في تصميم مدارس وملاعب تحترم فسيولوجية وعقلية الطفل، وتشجعه على الاستكشاف بدلاً من التلقين. تصميم الألعاب التعليمية التي تدمج العلم بالفن يساعد في بناء عقلية نقدية ومبدعة منذ الصغر.
2- العلاج بالفن والتعبير عن الذات:
بالنسبة للأطفال الذين يعانون من الصدمات أو صعوبات التعلم، تعتبر الفنون التطبيقية (مثل التشكيل بالطين أو الرسم الحر) لغة بديلة للتعبير عن مخاوفهم وأحلامهم، مما يمنحهم شعوراً بالسيطرة على عالمهم الداخلي.
* دكتورة، هل تعتقدين أن الذكاء الاصطناعي قادر على إنتاج "فن أصيل" أم أنه ما زال وسيظل انعكاسا للإنسان فقط؟
- أرى أن الذكاء الاصطناعي لا يزال وسيظل بحاجة للإنسان، فهو لا ينتج "فناً أصيلاً" بالمعنى البشري، لكنه يخلق فناً جديداً من نوعه. فمهما بلغت دقة اللوحة التي يرسمها الذكاء الاصطناعي، نلاحظ أنها تفتقر إلى "السياق الشعوري" الذي يجعلنا نتفاعل مع لوحة لـ "فان جوخ". الذكاء الاصطناعي لا يعرف الحب، أو الفقد، أو النشوة، وبالتالي لا يمكنه التعبير عنها أصالةً. وهذا ما نسميه "غياب الروح المعنوية".
يعاني الذكاء الاصطناعي من "أزمة النمط"، فهو ممتاز في التجميع والمحاكاة لكنه يجد صعوبة في الانفتاح الابتكاري الذي يخلق نمطاً فنياً جديداً كلياً، لأنه يدور في فلك البيانات التي تدرب عليها مهما كانت مخرجاته مدهشة.
العمل الفني للذكاء الاصطناعي لا يكتمل إلى بوجود الإنسان الذي يعطي الأوامر، ويختار النتيجة الأفضل ويعدل عليها. لذلك، المنسق والفنان في هذه العملية الإبداعية هو الإنسان، في حين يمكن اعتبار الذكاء الاصطناعي أداة قوية كالفرشاة قديماً والكاميرا حديثاً.
الذكاء الاصطناعي هو "محرك احتمالي"، بينما الإنسان "محرك قيمي". وعليه، سيبقى الفن الأصيل إنسانياً بامتياز لأنه يرتبط بالوعي والمعنى، لكن الذكاء الاصطناعي سيغير كيفية إنتاجنا وتفاعلنا مع الفن.
* كيف يمكن للفن أن يكون جسرا بين ثقافات مختلفة بطريقة تتخطى الحواجز السياسية، الاجتماعية، الدينية وغير ذلك؟ وكيف يمكنه إعادة صياغة التراث ليصبح مادة إبداعية معاصرة دون أن يفقد أصالته؟
- عندما تعجز السياسة عن إيجاد أرضية مشتركة، ينجح الفن في خلق "مساحات رمادية" آمنة للحوار. الفن يتخطى الحواجز لأنه يخاطب المشترك الإنساني (الألم، الحب، الخوف، الأمل) قبل أن يخاطب الأيديولوجيا. وهنا يبرز دور الفن كجسر عابر للحواجز من خلال "دبلوماسية الجمال" التي تستخدم اللغة البصرية الكونية. فالعناصر التشكيلية (الخط، اللون، الكتلة) لها تأثير فيزيولوجي ونفسي موحد على البشر بغض النظر عن خلفياتهم. لوحة تجريدية أو منحوتة تعبر عن "الفقد" سيفهمها الياباني كما يفهمها العربي، مما يخلق حالة من التعاطف العابر للحدود.
الفن قوة ناعمة، والمهرجانات الفنية الدولية، والمعارض المشتركة، و"بينالي" الفنون، هي منصات تلتقي فيها الشعوب بعيداً عن صراعات الحكومات. هنا، يتحول "الآخر" من خصم سياسي إلى شريك إبداعي. الفن يذيب "الشيطنة" التي قد تصنعها البروباغندا السياسية أو التعصب الديني.
أما بالنسبة لسؤالك عن كيفية إعادة صياغة التراث ليصبح مادة إبداعية معاصرة دون فقدان الأصالة، يمكنني القول إن التراث ليس تحفة مخبأة في متحف لتحمى من غبار أو عبث، إنه كائن حي يتنفس ويتطور. التحدي في الفنون التطبيقية يكمن في كيفية أخذ "الجين" التراثي وزرعه في جسد معاصر. الأصالة لا تعني النسخ الحرفي للماضي، والمصمم الذكي هو القادر على تحليل التراث ليستخلص منه الفلسفة (مثل مفهوم الخصوصية في المشربية)، والنسب الجمالية (مثل قواعد الخط العربي أو الزخرفة الهندسية)، والخامات المحلية (مثل الفخار، النسيج اليدوي)، ثم يعيد تقديمها بوظيفة معاصرة (مثل استخدام أنماط المشربية في تصميم واجهات مبانٍ ذكية توفر الطاقة).
كما يمكن إعادة صياغة التراث عبر دمجه مع التكنولوجيا الحديثة. مثال: استخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد لإنتاج وحدات إضاءة مستوحاة من العمارة المملوكية، أو استخدام الذكاء الاصطناعي لتوليد أنماط زخرفية جديدة انطلاقاً من التراث الشعبي. هنا، الأداة معاصرة جداً، ولكن الروح والمنطلق أصيلان.
يستخدم الإحياء أيضا كاستراتيجية للتعامل مع التراث. والطريقة هي الحفاظ على الحرفة كما هي مع تحسين جودتها، والنتيجة الإبداعية تتجلى بمنتج تراثي فاخر (مثل سجاد "الكليم" بتصاميم أصلية).
* أ.د. سلوى حسن، تقبلي مني كل الاحترام والتقدير والامتنان على هذه المشاركة الرائعة، والفيض الغني بطاقات العلم والفن، والمساهمة الإنسانية من خلال نشر الوعي عبر المنظمة الدولية للإعلام والإبداع والتنمية.