2026-04-24
إعداد د. مادلين قصاب
في الوقت الذي تتسارع فيه الاكتشافات العلمية تتكاثر الأزمات وتُعاد هيكلة منظومات الاتصال البشري بطرق تدفعنا إلى إعادة النظر بأبسط المسلّمات، وإلى التساؤل عن حدود الذات، وإعادة التفكير في معنى الفرد والجماعة، وإعادة تقييم مفهوم الصحة النفسية بوصفها قضية سياسية واجتماعية لا فردية فقط.
في هذا السياق، يبرز دور علم النفس والإرشاد الاجتماعي كبوصلة وجودية على المستويين النظري والعملي. فالتجارب النفسية، الفردية والجماعية، تشكل الوعي الخاص والعام، ومنظومات الاتصال التي تغيرت وغيرت معها البنية الفكرية والسلوكية للإنسان، خلقت بيئة جديدة تحتاج إلى من يفك رموزها النفسية والاجتماعية بغية تطوير المهارات الإنسانية والارتقاء بها. الأمر الذي يتطلب رؤية قادرة على الجمع بين العلم التجريبي والبحث الميتافيزيقي، بين التجربة الفردية والوعي الجمعي، وبين الواقع النفسي والواقع الكوني ككل (مادة وطاقة).
للتعمق في هذه التفاصيل، معي في هذا الحوار الدكتورة عفاف ربيع، باحثة وأخصائية نفسية واجتماعية، حاصلة على الدكتوراه في علم النفس من جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء ـ المغرب. وهي أستاذة مساعدة غير متفرغة في جامعة النجاح الوطنية في نابلس ـ فلسطين. لديها خبرة تمتد لأكثر من 28 عاما في مجالات الإرشاد النفسي والاجتماعي والوقاية والعلاج من الإدمان. بالإضافة إلى خبرتها الطويلة في إدارة برامج التوعية، بناء القدرات، تطوير البرامج المجتمعية، التدريب في المؤسسات الأهلية، وتقديم الدعم النفسي لمختلف الفئات. شاركت في تنفيذ وتدريب برامج محلية وعالمية بالتعاون مع جهات دولية مثل UNODC و UNRWA.
* كما تعلمين دكتورة، تتسارع الاكتشافات في مجال فيزياء الكم، وتفرض علينا كباحثين وأكاديميين إعادة النظر في القواعد التي يبنى عليها الكثير من العلوم، كيف تعرِّفين الوعي البشري والتجربة النفسية الإنسانية إذا ما اعتبرنا أنهما تجاوزا حدود الدماغ ليكونا جزءا من شبكة كونية متكاملة؟
- من منظور نفسي، لم يعد الوعي البشري مجرد صدى لعمليات كيميائية داخل الدماغ، بل هو "مجال حيوي" يتجاوز الحدود الفيزيائية ليتشابك مع نسيج الكون؛ فالتجربة النفسية هنا هي حالة من الاتصال الوجودي حيث يؤثر وعي "المراقب" في تجلي الواقع. وبناءً على ذلك، يصبح الإيمان بقدرة الإنسان على التغيير والنمو ليس مجرد تفاؤل عاطفي، بل هو استثمار في "التشابك الكمي" الذي يربط وجدان الفرد بالوعي الجمعي الكوني، حيث يمثل شفاء النفس الواحدة ترميما للكل، وتصبح "المرونة النفسية" هي القدرة على إعادة ضبط ترددات الذات لتتناغم مع تدفق هذه الشبكة الكونية المتكاملة، مما يمنح الفعل الإنساني والتربوي أبعادا غير محدودة من الأثر والتغيير.
وكما أن منظور التحليل النفسي الوجودي المدمج بفيزياء الكم، يُعرّف الوعي بأنه "ديناميكية صيرورة" لا تتوقف عند حدود الدماغ البيولوجي، بل تمتد كحقل طاقي مشتبك مع الوعي الجمعي الكوني. فوفقا لـ النظرية الإنسانية، الإنسان ليس كائنا ساكنا، بل هو "مشروع نمو" دائم يسعى لتحقيق ذاته كجزء من كل متكامل. هذا يعني أن التجربة النفسية الفردية هي "موجة" ضمن "محيط كوني"؛ حيث يؤدي أي تغيير في وعي الفرد (كالنجاة من الإدمان أو بناء المناعة النفسية) إلى إحداث أثر "تشابكي" يرفع من سوية الوعي الجمعي. وبناء الإنسان في هذا السياق هو عملية إعادة ضبط ترددات الذات لتتناغم مع الشبكة الكونية، مما يجعل "فرصة النمو" حقا وجوديا وضرورة حتمية لاستمرار تدفق الحياة وتطور النوع البشري كمنظومة واحدة لا تتجزأ.
* ما نظرة علم النفس للتجارب "الروحية" أو "الصوفية" التي يخوضها الإنسان ويعبر عنها بطرق تختلف باختلاف الانتماءات العرقية والدينية والأيديولوجية؟ وهل تستخدم هذه التجارب كأدوات علاجية نفسية أو موسِّعة لآفاق الذات البشرية؟ وكيف يفسر علم النفس ظاهرة "الحدس" أو "الإشارات الداخلية"؟ وهل الحلم ـ من وجهة نظرك ـ نافذة ميتافيزيقية على عوالم أخرى، أم أنه انعكاس لخبرات الدماغ فقط؟ وما العلاقة بين مفهوم "الروح" في الفلسفة والميتافيزيقيا ومفهوم "الذات" في علم النفس الحديث؟ هل يمكن للإرشاد النفسي أن يكون جسرا بين العلم التجريبي والبحث الميتافيزيقي عن معنى الكون؟
- بالنسبة للتجارب الروحية والصوفية، ينظر إليها علم النفس كحالات وعي ذاتية عميقة، تتسم بالإحساس بالترابط أو السمو أو فقدان حدود الذات. ويدرسها علم الأعصاب من خلال تحليل التغيرات في نشاط الدماغ، مثل أنماط الانتباه، الشبكات الافتراضية، والمعالجة العاطفية. اختلاف التعبير عن هذه الحالات يعود إلى السياق الثقافي والديني، لا إلى اختلاف جوهري في البنية النفسية للتجربة.
تستخدم هذه التجارب علاجيا ضمن أطر منضبطة. ممارسات مثل التأمل واليقظة الذهنية تدخل في العلاج لتحسين وتنظيم الانفعالات وتقليل القلق من خلال التوجه للقبول والوعي بالشيء، دون افتراض تفسيرات ميتافيزيقية.
أما بالنسبة للحدس، يفسره علم النفس بأنه "معالجة لاواعية فائقة السرعة"، حيث يقوم الدماغ بمسح الأنماط المخزنة في المجال الحيوي والخبرات السابقة وتقديم استنتاج فوري قبل وصوله للوعي المنطقي. وهو شكل من أشكال الإدراك الضمني الذي يكون دقيقا أحيانا ومتحيزا أحيانا أخرى. وقد تصفه فيزياء الكم بأنه استشعار للحقول المعلوماتية التي تسبق الحدث.
وفقا لمبادئ علم النفس، يعتبر الحلم نافذة على اللاشعور وتفريغا لانفعالات مكبوتة، تخرج على شكل حلم يحمل معانٍ رمزية شخصية عميقة.
الروح فلسفيا تعبر عن الجوهر الخالد والاتصال بالمطلق، أما الذات في علم النفس، هي التمظهر النفسي لهذا الجوهر في عالم المادة (الأفكار، المشاعر، الهوية). الارتباط بينهما وثيق، حيث تعتبر "الذات" الأداة التي تختبر من خلالها "الروح" صيرورتها في هذا العالم.
وبالطبع، يمكن للإرشاد النفسي أن يكون جسرا بين العلم التجريبي والبحث الميتافيزيقي. فبينما يقف العلم التجريبي عند حدود الإجابة على "كيف" يعمل الجهاز العصبي، تبحث الميتافيزيقيا في "لماذا" نحن هنا. الإرشاد النفسي الحديث يدمج الاثنين عبر "العلاج بالمعنى"، محولا الحقائق العلمية إلى أدوات تساعد الإنسان في رحلته للبحث عن مكانه في الشبكة الكونية وعن معنى وجوده.
وعليه، يبحث علم النفس في كل هذه الظواهر بوصفها تجارب إنسانية قابلة للدراسة من حيث الآليات والآثار، دون تبني تفسيرات فوق طبيعية، مع ترك باب التأمل الفلسفي مفتوحا خارج حدود البرهان التجريبي.
* في زمن تكنولوجيا الاتصال الحديثة والذكاء الاصطناعي، كيف يفسر علم النفس التضارب بين الميل المتزايد نحو الفردية في المجتمعات الحديثة، والحاجة الفطرية للانخراط في الجماعة؟ وما الآلية التي يعتمدها المتخصص للموازنة بين خصوصية التجربة النفسية وعمومية القضايا الإنسانية؟ وكيف يتجلى الدور العملي للإرشاد النفسي في تقوية الروابط ضمن مجتمعات تعاني من التفكك الأسري وضعف إن لم يكن غياب الثقة؟ وهل يسهم الإرشاد النفسي بشكل عملي في صياغة أخلاق عالمية جديدة عابرة للحدود القومية والدينية؟ إن كان جواب حضرتك نعم، كيف ذلك؟
- يفسر علم النفس الميل المتزايد نحو الفردية عبر مفهوم "التفرد الرقمي". فالتكنولوجيا توفر منصات تعزز "الأنا" وهذا يعزز الميل للفردية، لكنها في الوقت ذاته تفشل في تلبية الحاجة للانتماء البيولوجي العميق. فالإنسان ابن بيئته مهما حاول الهروب منها، ونظريات النسق الاجتماعي تعكس ذلك.
والتناقض يتجلى بميل الإنسان للفردية هربا من القيود التقليدية للجماعة، لكنه يقع في "قلق العزلة" والاغتراب، مما يدفعه للانخراط في جماعات افتراضية بغية تعويض الحاجة الفطرية للأمان الاجتماعي، حتى لو افتقرت هذه الجماعات للعمق العاطفي وعززت عزلته ومشاعر القلق والإحباط. وعليه، التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يعززان الاستقلالية، لكنهما لا يُلغيان الحاجة العصبية-النفسية للتواصل الحقيقي، ما يخلق توترا بين الاستقلال والترابط.
بالنسبة لسؤالك عن الآلية التي يتبناها المختص النفسي كي يوازن بين خصوصية التجربة النفسية وعمومية القضايا الإنسانية، لابد أن تعتمد على منهج تكاملي يجمع بين فهم الخصوصية الفردية كالتاريخ الشخصي، السياق الثقافي، البناء المعرفي وغير ذلك من المتغيرات، وبين تحديد القواسم الإنسانية المشتركة، كالحاجة للأمان، الانتماء، والمعنى. ويترجم ذلك عمليا عبر تدخلات مرنة، مثل العلاج المعرفي ـ السلوكي أو الإنساني، شريطة أن تُكيّف ثقافيا بحيث يُحترم الفرد دون عزله عن محيطه.
يتجلى الدور العملي للإرشاد النفسي في مواجهة التفكك الأسري وضعف الثقة من خلال إعادة التأهيل الاتصالي، وذلك عبر: أولا، العلاج النظمي، أي التركيز على إصلاح الديناميات بين الأفراد لإعادة بناء جسور الثقة المنهارة. ثانيا، تنمية الذكاء العاطفي الاجتماعي، وتدريب الأفراد على مهارات التعاطف النشط الذي يساهم في ترميم التفكك الناتج عن الأنانية الرقمية.
أما عن دور الإرشاد النفسي في صياغة أخلاق عالمية عابرة للحدود الدينية والقومية، يمكنني القول إن علم النفس المعاصر ينتقل من العلاج إلى الوقاية الدولية من خلال:
1- تعزيز المواطنة العالمية والتركيز على القيم الإنسانية العابرة للحدود والتي لا تصطدم مع الأديان والقوميات، مثل الكرامة، حرية الإرادة، المسؤولية تجاه الآخر، والتقبل والاحتواء، فهذه القيم تمثل الحد الأخلاقي الأدنى.
2- تفكيك المركزية الذاتية، فالإرشاد النفسي يعلم الفرد أن صحته النفسية مرتبطة بسلامة محيطه، مما يؤسس لأخلاقيات التكافل العالمي والتضامن كضرورة للبقاء النفسي، لا كمجرد ترف فكري.
* كيف تؤثر هيمنة مضمون وسائل التواصل الحديثة ـ كمصدر أساسي للمعرفة ـ على تكوين الهوية النفسية والاجتماعية للأجيال الجديدة؟
- يتجلى تأثير هذه الهيمنة في نقاط أساسية:
1- بناء الذات عبر المقارنة والاعتماد المتزايد على تقييم الآخرين، ما يجعل الهوية أكثر هشاشة.
2- تبني معايير غير واقعية، كتضخيم صور النجاح والجمال أو الفشل، وهذا يسهم في انخفاض تقدير الذات والمعاناة من القلق.
3- تعدد الانتماءات، عبر الانفتاح على جماعات رقمية متنوعة يقابله احتمال تشظي الهوية.
4- تسارع التكوين، حيث يتبنى الفرد اعتقادات ومواقف وهويات بسرعة دون نضج نقدي كاف.
5- تحول مصدر المعرفة، فالخوارزميات والمؤثرون يوجهون الفهم بدلا من المؤسسات التقليدية.
وبناء على ذلك، تصبح الهوية أكثر سيولة وتعرضا للضغط، ويعتمد توازنها على التفكير النقدي والدعم الأسري والاجتماعي.
* في بعض المجتمعات تعتبر الصحة النفسية قضية سياسية لا فردية فقط، كيف يُنظر للصحة النفسية في الوطن العربي بشكل عام؟ وما هو دور الإرشاد الاجتماعي ـ بشكل عملي لا نظري ـ عند الشعوب العربية خاصة في ظل الأزمات والحروب؟
- يُنظر للصحة النفسية في السياق العربي المعاصر بوصفها "صحة سياقية" لا مجرد اختلال كيميائي في الدماغ. وفي مناطق النزاعات، لا يعتبر الاكتئاب أو القلق ضعفا شخصيا، بل رد فعل طبيعي على ظرف غير طبيعي. والصحة النفسية هنا تصبح قضية حقوق إنسان وتحرر من ضغوط القهر والفقر. وهذا تسييس اضطراري للقضية.
يوجد أيضا صراع بين التفسير الغيبي (الابتلاء، العين) والتفسير العلمي. ومع ذلك، يشهد الوعي العربي تحولا ثقافيا حيث أنه بدأ يدرك أن العافية النفسية محرك أساسي للتنمية والعمل السياسي والاجتماعي. لكن رغم هذا التحول، مازالت الصحة النفسية في بعض المناطق العربية محاطة بالكثير من المحددات التي منها ما يشكل وصما.
بعيدا عن التنظير، يعمل الإرشاد الاجتماعي في البيئات العربية المأزومة كإسعافات أولية نفسية ووسيلة للمقاومة، ويتجلى ذلك في:
1- بناء المرونة الجماعية بدلا من التركيز على علاج الفرد فقط، حيث يعمل المرشد على تقوية الروابط المجتمعية. في الحروب، تُستخدم "المجموعات المساندة" لتحويل الألم الفردي إلى تضامن جمعي، مما يمنع الانهيار المجتمعي الشامل.
2- إدارة الصدمات العابرة للأجيال. فالتطبيقات العملية تركز على منع انتقال صدمة الحرب من الآباء إلى الأبناء، عبر برامج تدريبية للأهالي عن كيفية توفير بيئة آمنة نفسيا رغم انعدام الأمان المادي.
3- تفعيل الدعم الطبيعي، حيث يقوم المرشد بتدريب قادة المجتمع المحلي (المعلمين، الأئمة، الوجهاء) على مهارات الدعم النفسي الأولي، لأنهم أول من يلجأ إليهم الناس في الأزمات، مما يسد الفجوة في نقص المتخصصين.
4- إعادة بناء الثقة في المجتمعات التي يعصف بها التفكك، فالإرشاد يركز على مبادرات "العمل المشترك" لإعادة ترميم الثقة بين الأفراد، معتبرا أن الشفاء النفسي يبدأ من استعادة الشعور بالانتماء والقدرة على الفعل.
يُعتبر الإرشاد النفسي أيضا أداة للصمود، فهو لا يهدف في الحروب إلى التكيف مع القهر فقط، بل يسعى إلى التمكين ومساعدة الأفراد على استعادة السيطرة على تفاصيل حياتهم الصغيرة. كما أنه يدفع باتجاه البحث عن المعنى الكامن للمعاناة، الأمر الذي يساهم في حماية الناس من الانتحار أو الانخراط في العنف. وهذا الدور عملي وجوهري في صيانة النسيج الأخلاقي للمجتمع.
* لابد أن هناك تحديات منهجية في دراسة الإدمان ضمن مجتمع يعاني ضغوطا سياسية واقتصادية مستمرة ومتزايدة، كيف تتعاملين مع هذا الأمر، لا سيما وأن الفصل بين المتغيرات النفسية والمتغيرات البنيوية يُعتبر صعبا للغاية؟ وما هي الفروق الجوهرية بين البرامج الوقائية والعلاجية المبنية على نماذج طبية، والبرامج المبنية على النماذج الاجتماعية ـ الثقافية؟ وما هي المهارات التي يجب أن يتحلى بها الأخصائيون النفسيون لمواجهة الإدمان وتحدياته في مجتمعات هشة على مستويات عدة؟
- تعد دراسة الإدمان في المجتمعات المأزومة سياسيا واقتصاديا من أصعب الملفات البحثية، لأن الإدمان هنا لا يُعالَج كانحراف سلوكي، بل كآلية تكيّف قسرية مع واقع مؤلم. والتعامل مع تداخل المتغير النفسي (الفردي) بالمتغير البنيوي (السياسي/الاقتصادي) يتم عبر "النموذج البيو-نفس-اجتماعي"، فالفصل التام بين المتغيرات غير واقعي، لذلك نعتمد مقاربات تكاملية كالنموذج سابق الذكر. ولابد أن يعتمد المختص على تحليل متعدد المستويات، فبدلا من عزل المتغيرات، يجب دراستها كحلقات تغذية راجعة. مثلا، الفقر متغير بنيوي يؤدي لليأس وهو متغير نفسي، مما يدفع للإدمان الذي بدوره يؤدي لزيادة الفقر.
تتنوع المناهج البحثية منها الكمية ومنها الكيفية ومنها المختلطة التي تجمع بين الكمي (انتشار، علاقات) مع الكيفي (المعنى والسياق). تساهم دراسة الحالة والبحث الاثنوغرافي في فهم المعنى الذي يضفيه المدمن على تعاطيه في ظل القهر. وعليه، لا يمكن الاكتفاء بالأرقام والإحصائيات التي قد تغفل السياق السياسي والاجتماعي. والتحليل السياقي مهم للغاية حيث يجب التعامل مع متغيرات كالعنف والبطالة وانعدام الأمان كعوامل مفسِّرة لا خلفية فقط.
أما عن الفروق بين النماذج الطبية والنماذج الاجتماعية ـ الثقافية، يمكن القول إن النماذج الطبية ترى الإدمان كاضطراب دماغي أي كمرض، وتركز على العلاج الدوائي، ضبط الأعراض وإعادة التأهيل السريري. وهي قوية في الحالات الشديدة. لكن محدوديتها تتجلى بإهمالها للسياق الاجتماعي والمعنى الشخصي للتعاطي.
بينما تنظر النماذج الاجتماعية ـ الثقافية للإدمان على أنه استجابة تكيفية مع ظروف قهرية كالفقر والصدمة والتفكك. تركز هذه النماذج على الوقاية، التمكين والدعم المجتمعي. أبرز أدواتها: برامج وقاية عبر الأدلة والتدخلات الأسرية، شبكات الدعم، السياسات الاجتماعية والتثقيف. وتكمن قوتها في قدرتها على معالجة الجذور البنيوية، لكنها لا تكفي وحدها في الحالات الطبية الحادة. لذا، يجب الجمع بين النموذجين لضمان فاعلية أكبر.
أبرز المهارات التي يجب أن يتحلى بها الأخصائيون النفسيون لمواجهة الإدمان وتحدياته في مجتمعات هشة، تتمثل بما يلي:
1- التفكير النسقي، أي فهم الترابط بين الفرد والبنية.
2- الكفاءة الثقافية، والقدرة على قراءة المعاني المحلية للإدمان دون إسقاط النماذج الجاهزة.
3- التدخل في الأزمات، وامتلاك مهارات الإسعاف النفسي وإدارة الصدمة.
4- بناء الثقة، لا سيما في البيئات التي تعاني من الشك وانعدام الأمان.
5- المرونة المهنية، والتكيف مع نقص الموارد وتعدد الأدوار.
6- العمل متعدد التخصصات، والقدرة على التنسيق مع الأطباء، العاملين الاجتماعيين، الأخصائيين النفسيين والمنظمات المتخصصة.
7- التواصل المجتمعي، وإمكانية تحويل المعرفة إلى تدخلات واقعية عملية.
بناء على ما سبق، تتطلب دراسة الإدمان في المجتمعات المأزومة تجاوزا للتفكير الخطي نحو فهم ديناميكي تكاملي، وبرامج تجمع بين العلاج الطبي والتغيير الاجتماعي، وأخصائيين قادرين على العمل داخل التعقيد لا خارجه.
* برأيك دكتورة، ما هي الفجوة البحثية الأهم في مجال الصحة النفسية والإدمان، في العالم بشكل عام وفي فلسطين بشكل خاص؟ وماهي أبرز التحديات التي تواجه عمل المنظمات الدولية في مواجهتها للإدمان وهل تُراعى خصوصية السياق الفلسطيني بشكل كاف؟
- عالميا، الفجوة البحثية الأهم تكمن في الإدمان الرقمي والسلوكي المستحدث وعلاقته بالوحدة في عصر الذكاء الاصطناعي. العالم يركز على كيفية تأثير الخوارزميات في إعادة تشكيل دوائر المكافأة في الدماغ، إلا أن هذه الفجوة لا تزال تفتقر لدراسات طولية كافية.
على المستوى الفلسطيني، الفجوة البحثية الأبرز هي ديناميكية الإدمان كفعل سياسي أو هروبي. نحن بأمس الحاجة لدراسات تربط بين العنف البنيوي والاحتلال وبين التداوي الذاتي. المعضلة أن معظم الأبحاث تركز على الصدمة بشكل عام، لكنها تهمل علاقتها بالإدمان والكيفية التي يتحول من خلالها الإدمان إلى مسكن سياسي لمواجهة انعدام الأفق.
وتتمثل أهم الفجوات البحثية في مجال الصحة النفسية والإدمان عالميا في استمرار هيمنة النماذج الطبية الفردية، وضعف إدماج المحددات البنيوية مثل الفقر والعنف وعدم الاستقرار السياسي، إضافة إلى محدودية تمثيل سياقات عالمية مختلفة ونقص تحويل نتائج الأبحاث إلى سياسات فعّالة.
أما في فلسطين تحديدا، فتبرز فجوة أشد تعقيدا تتمثل في شحّ البيانات الممنهجة، وغياب الدراسات الطولية التي تتابع أثر الصدمة المستمرة، وضعف تطوير نماذج تفسيرية محلية تراعي خصوصية "الضغط المزمن" الناتج عن السياق السياسي، إلى جانب محدودية الوصول إلى خدمات علاجية متخصصة.
وفيما يتعلق بعمل المنظمات الدولية، تواجه هذه الكيانات تحديات بنيوية وسياسية ولوجستية تعيق الاستمرارية والوصول العادل للخدمات. كما أن كثيرا من التدخلات ما زالت تنقل نماذج جاهزة من سياقات مختلفة دون تكييف كافٍ مع الواقع الفلسطيني. وعليه، فإن المعضلة الأساسية تتمثل في غياب نموذج تكاملي سياقي يدمج بين البعد النفسي والاجتماعي والسياسي بصورة عميقة، بما يتيح فهما أدق للإدمان والصحة النفسية في بيئة تعيش ضغطا مزمنا ومركبا.
* ما دور الفن والأدب في الإرشاد النفسي والاجتماعي، وكيف تتجلى سمات هذا الدور في الوطن العربي؟ هلّا تفضلت بمنحنا بعض الأمثلة التطبيقية؟
- يلعب الفن والأدب دورا مهما في الإرشاد النفسي والاجتماعي لأنهما من الوسائل غير المباشرة للتعبير عن الخبرة النفسية، خصوصا حين يصعب التعبير اللفظي المباشر عن الصدمة أو الألم. في علم النفس يُستفاد منهما ضمن ما يُعرف بالعلاج بالفن والعلاج السردي، خاصة في التعامل مع الصدمة العابرة للأجيال حيث يُستخدم الرسم، الكتابة، والموسيقى لإعادة تنظيم الخبرة الداخلية، تفريغ الانفعالات، وإعادة بناء المعنى الشخصي للأحداث المؤلمة.
في السياق العربي، يتجلى هذا الدور بشكل واضح في البيئات التي تعاني من ضغوط سياسية أو اجتماعية، حيث يصبح الفن وسيلة "آمنة" للتعبير عن الألم الجماعي والفردي في آن واحد، خصوصا في حالات الحروب، اللجوء، أو التفكك الاجتماعي. الأدب العربي الحديث، مثل الرواية والشعر، كثيرا ما يعكس خبرات الصدمة والهوية والاغتراب، ويُستخدم ضمنيا كأداة دعم نفسي جماعي تعزز الشعور بالمشاركة والانتماء.
إليكِ بعض الأمثلة التطبيقية:
1- استخدام الرسم مع الأطفال اللاجئين للتعبير عن تجاربهم في الحرب بدل السرد اللفظي المباشر.
2- جلسات الكتابة العلاجية التي يُطلب فيها من الأفراد كتابة قصصهم أو يومياتهم لإعادة تنظيم التجربة النفسية. والتركيز يكون هنا على السردية الخاصة.
3- توظيف المسرح التفاعلي في المدارس والمخيمات لمعالجة موضوعات مثل العنف الأسري أو التنمر.
4- استخدام الشعر والغناء الشعبي في جلسات جماعية لتفريغ الانفعالات وتعزيز التماسك الاجتماعي.
الفن والأدب في الإرشاد النفسي لا يُعدان أدوات جمالية فقط، بل وسائل علاجية وسياقية فعّالة، خاصة في العالم العربي، حيث يلتقي التعبير الفني مع الحاجة الاجتماعية إلى الصمود وإعادة بناء المعنى.
تتجلى القيمة الجوهرية للفن والأدب في الإرشاد النفسي العربي بوصفهما وسيطا رمزيا يتجاوز محدودية اللغة المنطوقة، خاصة في التعامل مع الصدمات المركبة والتابوهات الاجتماعية. فبينما يعمل الفن كأداة للتطهير الانفعالي وإسقاط الصراعات الداخلية على وسائط خارجية آمنة، يمنح الأدب الفرد إطارا معرفيا لفهم معاناته كجزء من سياق إنساني ووجودي أرحب. وفي البيئات العربية، يتخذ هذا الدور طابعا علاجيا جمعيا؛ حيث تُستخدم السيكودراما في المخيمات لتمكين الضحايا من استعادة السيطرة على رواياتهم، ويُوظف العلاج بالقراءة لترميم الهوية، وتُحوِّل الجداريات الفنية الأنقاض إلى مساحات للأمل والمقاومة النفسية. إنها عملية تحويل الألم الصامت إلى فعل إبداعي يُعيد بناء المرونة النفسية ويُعزز التماسك المجتمعي في مواجهة التفكك.
في فلسطين، لم يتوقف الأمر على توظيف الفن في ورشات الدعم، بل أصبح هناك برامج أكاديمية عليا تسعى إلى إيجاد كوادر متخصصة ومؤهلة قادرة على العلاج بالفن مع من تعرضوا لأزمات وصدمات نفسية بسبب الحرب. وربما نكون من أوائل الدول التي أولت هذا الموضوع اهتماما كبيرا واستغلت تأثير الأغنية الشعبية والدبكة والرقصات التعبيرية وأدب المقاومة الذي شكل نقطة تحول في الوعي الجمعي المقاوم.
* ختاما، أشكرك جزيل الشكر د. عفاف على هذه المساهمة الغنية والعميقة في نشر الوعي عبر المنظمة الدولية للإعلام والإبداع والتنمية.