2026-10-10

إعداد د. مادلين قصاب

النواة والوعي الكوني في المختبر: مقاربة فلسفية ـ علمية في بنية المادة وتحولات الإدراك

يشهد العالم اليوم تحوّلا متسارعا في فهمه للبنية النووية، لا كمجال تقني محض، بل كفضاء معرفي تتقاطع فيه الفيزياء مع الفلسفة، والعلم التجريبي مع أسئلة تخصصات عدة عن الوعي والوجود. فكلما تعمّق الباحث في دراسة النواة، بدا له أن المادة تحمل في طياتها ما يتجاوز حدود القياس، وأن الطاقة ليست مجرد قيمة في معادلة، بل تعبير عن نمط داخلي للكون، وعن ديناميات دقيقة تربط بين الاستقرار والاضطراب، وبين التماسك والانفصال.

ينطلق هذا الحوار من رؤية تعتبر أن الظواهر النووية ليست أحداثا معزولة، بل حلقات في شبكة كونية واسعة؛ وأن التفاعلات الدقيقة داخل الذرة يمكن أن تُقرأ بوصفها نماذج أولية لفهم الاستقرار، التحوّل، التوازن، والتصدع في مستويات أخرى من الوجود، بما فيها المستويات النفسية والاجتماعية. كما يفتح الباب أم التفكير في أثر المراقبة، ودور الخيال العلمي، وحدود الإدراك البشري حين يواجه بنىً نووية لا تزال تخفي جزءا كبيرا من حقيقتها رغم التطور الهائل في التقنيات. ويهدف هذا الحوار إلى إعادة وضع الظواهر النووية في إطار معرفي متعدد الأبعاد يرى في المادة امتدادا للوعي، وفي الطاقة لغة من لغات الكون، وفي العلم جسرا يصل بين التجربة والخيال، وبين الإنسان والذرة، وبين الأسئلة الكبرى ومسارات المستقبل.

لمناقشة هذه التفاصيل، معي في هذا الحوار أ.م.د. علي مهدي عبد الحسين، المتخصص في الفيزياء النووية والإشعاعية ورئيس قسم الفيزياء، كلية التربية للعلوم الصرفة، جامعة كربلاء. وهو رئيس قسم العلوم سابقا، مدير شعبة المختبرات في كلية التربية الأساسية، مسؤول مختبر الأبحاث والتلوث الإشعاعي، ومسؤول الوقاية الإشعاعية حسب تصنيف الهيئة الوطنية للسيطرة على المصادر المشعة. ولديه تعاون علمي مع دوائر الدولة فيما يخص معالجة مشاكل التلوث، وهو عضو في الفريق العلمي لمعالجة ظاهرة التلوث الإشعاعي، وعضو في الفريق النووي البحثي المشكل بين الجامعات.

1. بناء على خبرتك الطويلة في مجال الفيزياء النووية، لو ربطنا بين البعد العلمي والبعد الفلسفي ـ الروحي، حينها كيف توصِّف النواة وعلاقتها بكنه الكون؟ هل شعرت أو أدركت يوما أن "البنية النووية" ليست مجرد مستويات طاقة بل طبقات وعي داخل المادة؟ وهل تعتقد بوجود "طابع نفسي" لكل عنصر نووي؛ كأن يكون اليورانيوم "مزاجا كونيا" مخزونا في عنصر مُمَثلا برقم ذري؟

- علميا، لا أستطيع أن أقول إن للنواة وعيا أو طابعا نفسيا، لأن الفيزياء النووية لا تقدم دليلا على ذلك. لكن فلسفيا، البنية النووية تتجاوز في جمالها فكرة مستويات الطاقة البسيطة؛ فهي نظام كمومي منظم، ولكل نويدة بصمتها الخاصة من المستويات والحالات والاستقرار. لذلك أتعامل مع فكرة 'مزاج العنصر' كاستعارة فلسفية، لا كخاصية فيزيائية. وربما يكمن جمال الفيزياء في أنها تكشف لنا أن أبسط أجزاء المادة تخضع لنظام عميق يمكن أن يدفع الإنسان إلى أسئلة تتجاوز المعادلة نفسها.

2. كيف ترى العلاقة بين التفسيرات العلمية والميتافيزيقية للأسباب الكامنة والمسؤولة عن جعل بعض العناصر يتماسك وبعضها يتفكك وعن حاجة بعضها الآخر إلى طاقة إضافية ليبقى مستقرا؟ ما الذي أجاب عليه العلم بشكل معمق ودقيق وما الذي بقي لغزا فاتحا المجال للتصورات الميتافيزيقية؟ هل من شيء في النواة ما زالت الحواس والعمليات الإدراكية المحدودة والتقنيات الحالية ـ رغم تطورها ـ قاصرة عن معرفته؟

- العلم يملك تفسيرا قويا جدا لكيفية تماسك النواة ولماذا تتحلل بعض النوى: لدينا القوة النووية، والتنافر الكهربائي، والبنية القشرية، والاقتران والتأثيرات الكمومية. لكن العلم لم يصل بعد إلى مرحلة نستطيع فيها اشتقاق كل تفاصيل النواة بصورة كاملة من QCD دون استخدام تقريبات ونماذج فعالة؛ ومشكلة الأنظمة النووية متعددة الأجسام ما تزال تحديا كبيرا.
أما الميتافيزيقا فتبدأ عند سؤال مختلف: لماذا توجد هذه القوانين أصلا؟ ولماذا الكون منظم بهذه الطريقة؟ هنا لا أعتقد أن علينا أن نستبدل التجربة بالتأمل، بل أن نعرف أين ينتهي البرهان الفيزيائي وأين يبدأ السؤال الفلسفي. وبالنسبة لي، ما زال في النواة الكثير مما لا نعرفه، لكن الجهل هنا ليس فراغا؛ إنه مساحة بحث مفتوحة تدفعنا إلى تطوير نظريات وتجارب جديدة.

3. كيف ترى التلوث الإشعاعي من منظورات علمية، فلسفية، روحية، متعددة وشمولية، بعيدا عن الشرح البشري المرتبط بالمصلحة والمنافع والمضار التي تطال الإنسان وغيره من الكائنات؟ كيف توصِّف التلوث الإشعاعي كحدث مؤثر على المستوى الكوني ككل لا على المستوى المكاني المحدود؟

- علميا، التلوث الإشعاعي ليس ظاهرة معزولة في نقطة جغرافية؛ فالنويدات المشعة يمكن أن تتحرك بين التربة والماء والهواء والكائنات الحية، ويتغير توزيعها مع الزمن. أما وصفه بأنه 'كوني' فأراه صحيحا إذا استخدمناه بالمعنى الفلسفي لا بمعنى أن حادثة محلية تؤثر حرفيا في الكون كله. فالانحلال الإشعاعي نفسه ظاهرة طبيعية أصيلة في الكون، وما نسميه تلوثا هو في كثير من الحالات تغير في تركيز المادة المشعة وموقعها ومساراتها داخل النظام البيئي.
ومن المنظور الروحي، قد يذكرنا ذلك بأن الحدود التي نضعها بين الإنسان والطبيعة والماء والتربة ليست حدودا مطلقة؛ فالمادة تتحرك، والعناصر تتحول، والآثار تنتقل. لكنني أحرص دائما على أن أبقي هذا في مساحة التأمل الفلسفي والروحي، وألا أقدمه على أنه اكتشاف فيزيائي. وهنا برأيي تكمن قيمة الحوار بين العلم والفلسفة: العلم يشرح لنا كيف يحدث الشيء، والفلسفة تسألنا عن معنى وجود هذا الترابط أصلا.

4. ما هي أهم النقاط التي تعلمتها من المختبرات وغرف القياسات الإشعاعية لا من التجارب الاجتماعية والتي أثرت بشدة على تركيبتك النفسية وشخصيتك؟ هلّا تفضلت بإعطائي أمثلة عن تجارب مختبرية جعلتك تفهم جوهر نفسك بصفتها جزءا من كون مترابط ومتداخل العناصر؟

- المختبر علّمني قبل كل شيء التواضع أمام الطبيعة. أنت لا ترى الإشعاع مباشرة، وإنما ترى أثره، ولا تحصل على رقم مطلق بل على قياس له معايرة وعدم يقين. لذلك تعلمت أن أفرق بين الحقيقة وبين ما أستطيع قياسه منها. وتعلمت أيضا أن أراجع نفسي كما أراجع نتائجي؛ فإذا لم تتفق النتيجة مع توقعي، لا أغيّر الطبيعة لكي تناسبني، بل أراجع افتراضي. وهذا ربما هو أقوى درس أثّر في شخصيتي.
وفي غرف القياس الإشعاعي تحديدا، شعرت أن الإنسان ليس منفصلا عن المنظومة التي يدرسها. نحن نرصد ظواهر تجري داخل المادة منذ أزمنة هائلة، وما يصل إلى جهازنا ليس إلا أثرا صغيرا منها. ولذلك أصبح المختبر بالنسبة لي ليس مكانا لقياس الإشعاع فقط، بل مكانا أتعلّم فيه حدود معرفتي، وأتعلم معه الصبر والدقة والتواضع أمام الكون.

5. بناء على نظرية "تأثير المراقب"، هل شعرت يوما أن النواة تتأثر بمراقبتك ودراستك لها؟ وهل انعكس يوما ما تغير مزاجك على نتائج القياس ـ وكأن المادة تتأثر بحالتك النفسية؟

- هذا السؤال جعلني أراجع دائما معنى كلمة "المراقب" في الفيزياء. نعم، النواة تتأثر بالقياس في بعض التجارب، لكن ليس بالمعنى الذي يجعل وعي الباحث أو أفكاره قوة فيزيائية تغيّر النواة. في ميكانيكا الكم، القياس هو تفاعل فيزيائي بين النظام وجهاز القياس، وهذا التفاعل نفسه يمكن أن يؤثر في الحالة الكمومية. لذلك فالمراقب ليس بالضرورة الإنسان؛ يمكن أن يكون الجهاز والبيئة اللذان يتفاعلان مع النظام مراقبا مؤثرا بالعملية الفيزيائية.

أما عن تجربتي الشخصية، فلم أجد في عملي الإشعاعي دليلا تجريبيا على أن تغير مزاجي أو حالتي النفسية يغير معدل التحلل النووي أو طاقة الانتقال أو خاصية فيزيائية للنواة. النواة لا تتصرف بطريقة مختلفة لأنني كنت سعيدا أو متعبا أو قلقا. وإذا تغيرت نتيجة القياس عندما أكون في حالة نفسية مختلفة، فأول ما أبحث عنه هو الأسباب الفيزيائية أو التجريبية: المعايرة، الخلفية الإشعاعية، زمن القياس، درجة الحرارة، استقرار الجهاز، طريقة أخذ العينة، أو الخطأ الإحصائي.

وهنا تعلمت شيئا مهما جدا: إذا كنت أريد أن أجد تأثيرا نفسيا على المادة، فلا يجوز أن أكتفي بشعوري أو بانطباعي. يجب أن أضع فرضية، وأجري قياسات عمياء أو عشوائية، وأكرر التجربة، وأستبعد جميع العوامل الفيزيائية المعروفة، ثم أختبر إحصائيا ما إذا كان هناك أثر حقيقي. وإلا فإنني قد أخلط بين إحساسي وبين الظاهرة الفيزيائية.

ومع ذلك، هناك معنى فلسفي جميل في فكرة المراقب. نحن لا نصل إلى النواة مباشرة؛ نحن نعرفها من الآثار التي تتركها في الكاشف. أي أن علاقتنا بالعالم المجهري تمر دائما عبر القياس والتفسير. وهذا يجعلني أرى أن الباحث ليس مجرد شخص يقف خارج الطبيعة ويراقبها، بل هو جزء من سلسلة تفاعل تبدأ بالنواة، ثم بالكاشف، ثم بالإشارة، ثم بالنموذج الرياضي، ثم بالوعي الذي يفسر النتيجة.

لذلك أميز بين أمرين: لا أؤمن علميا بأن مزاجي الشخصي يغيّر النواة، لكنني أؤمن أن مزاجي يمكن أن يغيّر «قراءتي» للنتيجة، ولهذا فإن الانضباط العلمي ضروري لحماية القياس من الإنسان نفسه. وربما هذه مفارقة جميلة: نحن ندرس المادة لنفهمها، لكننا أثناء ذلك نضطر أيضا إلى دراسة أنفسنا حتى لا نفرض عليها ما نريد أن نراه.

أما السؤال الأبعد: هل يمكن أن يكون للوعي دور أساسي في طبيعة الواقع الكمومي؟ فهذا موضوع فلسفي وتفسيري ما يزال محل نقاش، وهناك تفسيرات مختلفة لميكانيكا الكم، لكن لا ينبغي تحويل أي تفسير منها إلى حقيقة تجريبية محسومة. وعليه، لم أشعر أن النواة تغيرت لأنني راقبتها؛ الذي تغير هو أنا عندما أدركت أن عليّ أن أراقب نفسي أيضا وأنا أراقبها.

6. كيف ترى العلاقة بين مستويات الطاقة النووية ومراحل الوعي البشري؟ ما هي أوجه الشبه والاختلاف في حال أسقطنا استقرار وعدم استقرار النواة على الاستقرار وعدم الاستقرار النفسي للإنسان؟ هل استقرار النواة يشبه وصول الفرد للسلام وعدم استقرارها يشبه اضطراب النفس البشرية؟ وهل ترى في العلاقات الاجتماعية انعكاسا لتجاذب وتنافر البروتونات والنيوترونات؟ أرجو إعطائي أمثلة.

- أعتقد أن هناك تشابها جميلا بين الفيزياء وحياة الإنسان، ولكنني أتعامل معه كتأمل فلسفي وليس كحقيقة علمية. في النواة لدينا حالات طاقة مختلفة؛ فالنواة يمكن أن تكون في حالتها الأرضية أو في حالة مثارة، وقد تنتقل من حالة إلى أخرى عندما تتبادل الطاقة. كما أن استقرار النواة مرتبط بتوازن معقد بين البروتونات والنيوترونات والقوى التي تحكمها.

وهنا أجد تشبيها بالإنسان. أحيانا يكون الإنسان في حالة من السكون والاتزان، وأحيانا يدخل في حالة من التوتر أو الإثارة أو الصراع الداخلي. لكنني لا أقول إن مستوى الطاقة النووي هو مستوى وعي الإنسان؛ هذا تشبيه فقط. فالإنسان عندما يكون في حالة اضطراب قد يكون في الحقيقة في مرحلة تغيير ونمو، تماما كما أن الحالة المثارة في النواة ليست بالضرورة حالة سيئة، وإنما حالة فيزيائية مختلفة.

وأحب جدا فكرة أن الاستقرار لا يعني السكون التام. النواة المستقرة ليست ميتة أو ساكنة، وإنما هي في حالة تسمح للنظام بالبقاء. وبالمثل، أعتقد أن الإنسان المتزن ليس إنسانا بلا مشكلات، وإنما هو إنسان استطاع أن ينظم مشاعره وأفكاره وتناقضاته.

أما البروتونات والنيوترونات، فيمكن أن نستعير منها صورة جميلة للعلاقات الإنسانية. داخل النواة توجد قوى تجاذب تساعد على تماسكها، وفي الوقت نفسه يوجد تنافر كهربائي بين البروتونات. وفي النوى الثقيلة يصبح التوازن بين هذه التأثيرات أكثر تعقيدا. في المجتمع أيضا نجد التجاذب والتنافر: هناك الحب والثقة والانتماء من جهة، والاختلاف وسوء الفهم والصراع من جهة أخرى. والمجتمع المتماسك ليس مجتمعا خاليا من التناقض، بل مجتمع يستطيع أن يحافظ على توازنه رغم وجوده.

مثلا، في الأسرة، قد يختلف الأب والابن في الرأي، لكن وجود المحبة والاحترام يحافظ على تماسك الأسرة. وكذلك في فريق علمي، قد تختلف وجهات النظر بشدة، لكن إذا كان هناك هدف مشترك واحترام متبادل فإن الاختلاف قد يتحول من مصدر صراع إلى مصدر قوة. وهذا بالنسبة لي يشبه، على سبيل الاستعارة، وجود قوى مختلفة داخل نظام واحد تحافظ في النهاية على تماسكه.

أما العلاقة بين مستويات الطاقة والوعي، فهي بالنسبة لي سؤال فلسفي مفتوح وليست علاقة أثبتها العلم. الفيزياء تستطيع أن تقيس مستويات الطاقة النووية وحالاتها وانتقالاتها بدقة كبيرة، ولدينا قواعد بيانات واسعة لهذه الحالات والانتقالات. لكن الانتقال من ذلك إلى القول إن هذه المستويات تمثل مراحل الوعي البشري يحتاج إلى دليل من نوع مختلف، وهذا غير متوفر حاليا.

لذلك أحب أن أضع حدا واضحا بين العلم والتأمل: لا أقول إن الإنسان نواة، ولا إن المجتمع يخضع حرفيا للقوة النووية؛ وإنما أقول إن الطبيعة تعطينا أحيانا صورا تساعدنا على التفكير في أنفسنا.

أرى أن هناك تشابها جميلا كاستعارة بين النواة والإنسان، لا كقانون علمي. النواة المستقرة هي نتيجة توازن بين قوى مختلفة، والنواة المثارة تنتقل إلى حالات أخرى عندما تكتسب طاقة. وبالمثل، الإنسان يمر بحالات من الهدوء والتوتر والتغير، وقد يكون الاضطراب أحيانًا طريقا إلى النضج. وحتى العلاقات الإنسانية يمكن أن نشبهها رمزيا بالتجاذب والتنافر داخل النواة: الاختلاف موجود، لكن التوازن هو الذي يحافظ على التماسك. في النهاية، لا أقول إن للوعي مستويات طاقة نووية، وإنما أستعير من الفيزياء صورة تساعدنا على التأمل في الإنسان والمجتمع.

7. لو اعتبرنا الانشطار والاندماج النوويين حالات نفسية يخوضها "الجسد الكوني"، كيف يمكننا حينها تعريف وتوصيف الطاقة الكامنة والمحرَّرة والناتجة عن هذه الأنشطة؟ وكيف يمكننا إسقاط هذه الحالات على الجسد والنفس البشريين؟ أرجو إعطائي أمثلة.

- إذا استخدمنا الانشطار والاندماج كاستعارة فلسفية، يمكن أن نرى الانشطار كحالة تفكك تطلق طاقة كانت كامنة في النظام، بينما يمثل الاندماج اتحاد مكونات منفصلة في بنية أكثر استقرارا مع تحرير طاقة أيضا. علميا، كلتا العمليتين ترتبطان بالانتقال إلى حالات نووية أكثر ارتباطا واستقرارا.

وعلى المستوى الإنساني، قد نشبه الانشطار لحظة يتحرر فيها الإنسان من تراكم داخلي كبير، مثل الخروج من أزمة أو تغيير جذري، بينما يشبه الاندماج اجتماع الأفكار أو الأشخاص حول هدف واحد، فيولد ذلك طاقة جديدة للعمل والإبداع. فمثلا، قد يتحول صراع داخلي شديد إلى قرار يغير حياة الإنسان، وقد يؤدي تعاون شخصين أو فريقين إلى إنجاز أكبر من قدرة كل طرف منفردا. لكن هذا يبقى تشبيها فلسفيا، وليس وصفا فيزيائيا للنفس البشرية. وربما أجمل ما في التشبيه أن الطاقة لا تختفي؛ وإنما تنتقل وتتخذ صورة أخرى، وهذا يجعل التحول جزءا أساسيا من فهمنا للطبيعة ولحياة الإنسان.

8. كيف تنظر لأهمية الخيال في فتح الآفاق للبحث العلمي في مجال الفيزياء النووية؟ وبالنسبة لك، من أين يستمد الباحث المتخيِّل "طاقته التخيلية" على المستوى النووي؟ وإذا اعتبرنا أن العمليات الإدراكية لا تتم إلا من خلال النواة، كيف تفسر حينها آلية خلق الصور والأفكار والأنماط التي يبدعها الخيال دون الاعتماد المباشر على مدخلات الحواس ومحتويات الذاكرة؟

- الخيال بالنسبة للفيزيائي هو البداية التي تسبق المعادلة؛ فكثير من الاكتشافات تبدأ بسؤال: ماذا لو؟ ثم يأتي دور الرياضيات والتجربة للتحقق. أما طاقة الباحث التخيلية، فأراها نابعة من الفضول، ومن قدرته على الربط بين أشياء تبدو متباعدة.
وبالنسبة إلى القول إن الإدراك يتم من خلال النواة، فإذا كنا نقصد النواة الذرية فهذا غير صحيح علميا؛ أما إذا قصدنا نوى الخلايا العصبية، فالخيال يرتبط بنشاط شبكات واسعة من الدماغ، ومنها شبكات مرتبطة بالذاكرة والتفكير الداخلي وتكوين الصور الذهنية.
والجميل أن الخيال لا يحتاج إلى وجود الشيء أمام الحواس؛ فالدماغ يستطيع أن يعيد تركيب عناصر من الخبرات السابقة ليكوّن صورة أو فكرة جديدة لم يرها الإنسان من قبل. لذلك أرى أن الخيال ليس انفصالا عن الواقع، بل إعادة تركيب عميقة له بطريقة جديدة." العالِم يرى ما هو موجود، أما المتخيِّل فيسأل: ماذا يمكن أن يكون موجودا؟ ثم تأتي التجربة لتفصل بين الحلم والاكتشاف.

9. كيف تعيد التكنولوجيا النووية رسم خريطة النفوذ العالمي؟ وماهي الوسائل العملية التي تمكّننا من تحويل الطاقة النووية إلى أداة سلام بدلا من أن تكون أداة ردع؟

- الطاقة النووية اليوم جزء من القوة العلمية والتكنولوجية للدول، ولذلك يمكن أن تؤثر في النفوذ العالمي. لكنني أرى أن قيمتها الحقيقية لا ينبغي أن تقاس بقدرتها على الردع، بل بقدرتها على خدمة الإنسان: إنتاج الكهرباء، والطب النووي، والزراعة، والصناعة والبحث العلمي. ومعاهدة عدم الانتشار نفسها تؤكد حق الدول في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، بالتوازي مع الالتزام بعدم الانتشار والسعي إلى نزع السلاح النووي.
أما تحويلها إلى أداة سلام، فيبدأ بالشفافية والرقابة الدولية، وتطبيق ضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتعاون العلمي ونقل التكنولوجيا السلمية، وتعزيز السلامة والأمن النوويين، وبناء الثقة بين الدول.
وأعتقد أن أعظم انتصار للطاقة النووية هو عندما تتحول من قوة تُخيف الإنسان إلى معرفة تنقذ حياته؛ من السلاح إلى المستشفى، ومن الردع إلى التنمية.

10. هل تعتقد أن الاقتصاد النووي اقتصاد مستقبل و"استثمار طويل الأمد" أم اقتصاد مخاطرة؟ كيف يمكن للدول أن توازن بين تكلفة بناء المفاعلات النووية وبين تكلفة إدارة مخاطرها؟ وكيف يؤثر الخوف من الانشطار النووي على الأسواق العالمية؟

أرى أن الاقتصاد النووي يمكن أن يكون استثمارا طويل الأمد، لكنه ليس استثمارا منخفض المخاطر. فالمفاعلات تحتاج رأس مال كبيرا ووقتا طويلا للبناء، وتأخر المشاريع وتجاوز التكاليف يُعدان من أكبر المخاطر على المستثمرين. وفي المقابل، عندما يعمل المفاعل بأمان فإنه يوفر كهرباء مستقرة لفترة طويلة جدا، ولهذا ما زالت الاستثمارات النووية تتزايد عالميا.

أما التوازن بين التكلفة والمخاطر فيكون بدراسة دورة حياة المشروع كاملة: تكلفة البناء والتمويل، التشغيل والصيانة، إدارة النفايات، التفكيك، والسلامة والأمن، مع وجود رقابة وتنظيم مستقل وتأمين وتمويل يقلل مخاطر التأخير.
وبالنسبة للخوف من الانشطار النووي، فهو يؤثر في الاقتصاد أكثر مما يؤثر في الفيزياء؛ لأنه يؤثر في ثقة المستثمرين والرأي العام والقرارات السياسية، وبالتالي قد يرفع تكلفة التمويل أو يؤخر المشاريع. لذلك أرى أن مستقبل الاقتصاد النووي لا يعتمد فقط على التكنولوجيا، بل على الثقة والشفافية والقدرة على إدارة المخاطر. وعليه، النووي ليس اقتصادا بلا مخاطر، ولكنه أيضا ليس اقتصادا قائما على الخوف؛ النجاح الحقيقي يكمن في تحويل المخاطر المحسوبة إلى قيمة طويلة الأمد.

* في الختام، أشكرك جزيل الشكر أ.م.د. علي عبد الحسين على مساهمتك في نشر المعرفة عبر المنظمة الدولية للإعلام والإبداع والتنمية.





© كل ما يتعلق بحق الملكية الفكرية و الأدبية يقع على عاتق كاتب المادة المنشورة فقط