2026-06-07

علم النفس الإعلامي في زمن الذكاء الاصطناعي: نحو فهم جديد للوعي، الإدراك، وصناعة المعنى

في 06 حزيران 2026، أقامت المنظمة الدولية للإعلام والإبداع والتنمية حوارا مفتوحا عبر منصتها الالكترونية، شارك فيه العديد من الأكاديميين والمختصين في مجالات مختلفة، وتبادلوا وجهات نظرهم وخبراتهم حول: علم النفس الإعلامي في زمن الذكاء الاصطناعي.

أدارت هذه الجلسة رئيسة المنظمة د. مادلين قصاب، وركزت على أهمية الأخذ بعين الاعتبار التحول الجذري في طبيعة العلاقة بين الإنسان والنظم الاتصالية. فالإعلام ليس عملية نقل للمعلومات وقوة تأثير في الرأي العام فقط، لكنه ـ لاسيما في العصر الحالي ـ بيئة نفسية ـ معرفية كاملة، تتحكم بعوامل تكوين الوعي والشخصية من خلال: هندسة الانتباه والذاكرة، تحديد ملامح الهوية الفردية والجمعية، توجيه الخيال إلى الآفاق التي تخدم جهات معروفة أو مجهولة بالنسبة للمتلقي، وإشباع احتياجات وتوليد احتياجات أخرى.
ودخول الذكاء الاصطناعي إلى هذه البيئة، أدى إلى انتقال الإنسان من التفاعل مع المحتوى إلى الانغماس في نظام خوارزمي ذكي يتعلم ويُعلّم، يتنبأ ويعيد تشكيل التجربة الفكرية والنفسية والبنية الإدراكية بشكل لحظي. الأمر الذي يدفع المختصين إلى تحويل السؤال من: كيف يؤثر الإعلام على الإنسان؟ إلى: كيف يعاد تشكيل الإنسان نفسيا وفكريا داخل المجرات الإعلامية الذكية؟ وفقا للدكتورة قصاب، إن علم النفس الإعلامي في زمن الذكاء الاصطناعي ليس مجالا بحثيا فقط، بل ضرورة لفهم الإنسان المتشكل في فضاءات التكنولوجيا الرقمية.

أبرز النقاط التي تناولها هذا الحوار:

1- أهم المجالات التي يركز عليها علم النفس الإعلامي:
- دراسة تأثير المحتوى على السلوك.
- دراسة آليات الإدراك والتفاعل من خلال البحث في الكيفية التي يعالج بها الدماغ البشري المعلومات المكتوبة والمسموعة والمرئية المؤثرة في بناء القيم والأفكار لدى الأفراد.
- دراسة "نظريات الاستخدام" وتحليل أسباب تبني واختيار الجمهور لوسائل ومضامين معينة لإشباع رغباتهم.
- دراسة العلاقة بين التصميم التقني والسلوك البشري عبر تحليل التفاعل النفسي مع واجهات المستخدم وتصميم التطبيقات الذكية مثلا.

2- بعض أهداف علم النفس الإعلامي ودوره المجتمعي:
ـ تحسين الخطاب الإعلامي، وتوجيه المؤسسات والكيانات المختصة إلى إنشاء مضامين هادفة، تُحقق النهوض الفكري والنفسي وتلبي الحاجات التربوية للمجتمع.
- التوعية المتمثلة بمساعدة الأفراد على الاستخدام الصحي لوسائل الاتصال، والتعامل بوعي مع شكل ومضمون الرسائل الإعلامية والتقنية الحديثة.

3- أهم التفاصيل التي يجب أن يراعيها علم النفس الإعلامي في زمن الذكاء الاصطناعي:

- تحول المتلقي إلى "عقدة إدراكية". في النماذج التقليدية، يُنظر إلى الفرد كمتلقٍّ للرسائل. أما اليوم، أصبح الفرد عقدة في شبكة، مصدر بيانات ضخمة، ومولّدا للمعنى. الخوارزميات تتنبأ بسلوكه، وتعيد تشكيل تجربته الإدراكية قبل أن يعيها. هكذا تظهر الذات المعاد تشكيلها خوارزميا، وهي ذات تتفاعل مع محتوى يتغير وفق تفضيلاتها الدقيقة. وعليه، هناك انتقال من الإنسان المتلقي إلى الإنسان الاحتمالي _ إنسان تُبنى تجربته الإدراكية عبر سلسلة من الترجيحات الخوارزمية التي تسبق وعيه.

- التحول في خصائص هندسة الانتباه. فالذكاء الاصطناعي لا يكتفي بجذب الانتباه بل يقيسه لحظيا، يتنبأ به، يعيد توجيهه ويصنع بيئة معرفية تشبه "فقاعة احتمالية" لا يرى الفرد خارجها. إذن، "الانتباه المهندَس" ـ كما وصفته د. مادلين قصاب ـ لا ينبع من قرار الفرد بشكل مطلق، بل من تصميم خوارزمي يعرف بدقة نقاط ضعفه النفسية.

- الذاكرة في زمن الذكاء الاصطناعي: الذاكرة المستبدَلة. الذاكرة البشرية بطبيعتها انتقائية وقابلة لإعادة البناء. لكن في البيئة الرقمية، تظهر الذاكرة المستبدلة: حيث تُعاد كتابة الماضي عبر المحتوى الموصى به، وتستبدل التجارب الشخصية بسرديات جاهزة، وتصبح الحقائق احتمالات تتغير مع كل تفاعل. هذا يخلق هشاشة معرفية تجعل الفرد عرضة للتضليل عن وعي أو غير وعي.

ـ البروباغندا الجديدة. وفقا للدكتورة مادلين قصاب، لا تعتمد البروباغندا الحديثة أو البروباغندا الخوارزمية على الرسائل المباشرة فقط، بل على: التكرار الخوارزمي، التخصيص المفرط، صناعة الإجماع الوهمي، هندسة الانتباه، الإغراق المعلوماتي، خلق بيئات معرفية مغلقة، وغيرها من الخصائص التي جعلت البروباغندا تنتقل من الإقناع إلى إعادة تشكيل الواقع؛ "إنها بروباغندا لا تُقنع بل تحيط، لا تجادل بل تُغرق، وتصنع عالما يبدو طبيعيا أكثر من الحقيقة نفسها."

ـ سيكولوجيا العاطفة في الفضاء الرقمي. لم تعد العاطفة تجربة داخلية فقط، بل أصبحت: مُقاسة، متوقَّعة، مستهدَفة، ويعاد إنتاجها بناء على متغيرات وعوامل مدروسة بدقة. فالمنصات الرقمية تعرف متى يشعر المستخدم بالغضب، بالتحفيز، بالراحة، بالوحدة، وغير ذلك من خصائص المشاعر البشرية. كما تعرف هذه المنصات متى يكون المتلقي أكثر قابلية للتأثر، وتستخدم هذه المعرفة لتوجيه السلوك عبر التنظيم العاطفي الخوارزمي. وعليه، يصبح الانتماء الرقمي جزءا من البناء النفسي للفرد، فالهوية الرقمية تتشكل عبر المنصة، الجمهور، الخوارزمية، التفاعل، التوقعات الاجتماعية الرقمية وغيرها من العناصر. وهكذا تتشكل الذات التي تتغير مع السياق الرقمي، وتعيد تعريف نفسها وفق قواعد المكافئة التي يمليها النظام الرقمي.

ـ الذكاء الاصطناعي كفاعل نفسي. هذا الذكاء ليس أداة بل شريكا نفسيا، مستشارا عاطفيا، مهندسا للمعنى، وجزءا من البنية الإدراكية للإنسان. قدراته جعلته يدخل مناطق كانت حكرا على العلاقات الإنسانية، كالطمأنينة، الفضفضة، البحث عن الذات والمعنى، واتخاذ القرارات مع مراعاة العوامل الداخلية والخارجية المحيطة بالفرد. وعليه، يمكن القول: إن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءا من البنية النفسية للمستخدم.

ـ سيكولوجيا الخوارزميات. وفقا للدكتورة مادلين قصاب، يجب أن تُدرس سيكولوجيا الخوارزميات وكيفية "تفكير الآلة" عن الإنسان بالتزامن مع دراسة سيكولوجيا الإنسان المعاصر. فالخوارزميات لا تفكر في الإنسان كذات، بل كنمط، احتمال، سلسلة قرارات، ومجموعة نقاط بيانات. وفي هذا السياق، يجب أن تؤخذ الفجوة النفسية الجديدة بعين الاعتبار؛ فالإنسان يرى نفسه ذاتا، بينما تراه الآلة كاحتمال. الأمر الذي يؤثر على مستويات تقدير الذات، الشعور بالهوية، الإحساس بالحرية وتَغيّر معنى الاختيار.

ـ السيميائية الجديدة. غيّر الذكاء الاصطناعي آلية إنتاج وتوليد ونقل العلامات. فالعلامة في الإعلام التقليدي كانت تشمل: الدال، المدلول، السياق، المرسل والمتلقي. أما في زمن التكنولوجيا الرقمية، تُعتبر الخوارزمية وسيطا دلاليا، فهي لا تنقل العلامة وحسب، وإنما تعيد ترتيبها وتأويلها وتوجيهها، وتربطها بعلامات أخرى وفق منطق خوارزمي خاص. وعليه، تُنتَج سيميائيات خوارزمية يتولد فيها المعنى عبر تفاعل عدة عوامل ومتغيرات من ضمنها: الإنسان، المحتوى، الشبكة الاجتماعية، الخوارزمية، والأهداف المعلنة والخفية للدعائي.





© كل ما يتعلق بحق الملكية الفكرية و الأدبية يقع على عاتق كاتب المادة المنشورة فقط